شهد الوضع السياسي يوم أمس تطورات سريعة وتغيرات خالفت توقعات العديد من القوى المتنفذة، بعد اعلان زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر اعتزاله وعدم التدخل في الشؤون السياسية نهائيا، وغلق مؤسساته الناشطة في هذا المجال. وأقدمت جماهير الصدر بعد ساعات من إعلانه الاعتزال، على التوجه صوب المنطقة الخضراء فيما اقتحمت مجاميع أخرى قصر السلام، الذي استضاف قبل أيام حوارا أجرته قوى متنفذة.

ردة فعل جماهيرية

وفي وقت مبكر من نهار يوم أمس، أعلن الصدر في بيان أثار ردود فعل واسعة، جاء فيه أنه قرر “عدم التدخل في الشؤون السياسية والاعتزال النهائي واغلاق كافة المؤسسات الناشطة في العمل السياسي”. ورأى مراقبون وسياسيون في هذا الموقف ساعة الصفر لإعادة هيكلة العملية السياسية أو احداث تغيير في  منظومة المحاصصة الطائفية. ويأتي هذا الموقف المفاجئ عقب فشل ذريع لمجلس النواب في تأدية مهامه، تجلى ذلك خاصة في عدم قدرته على تشكيل الحكومة، فيما منعت قوى مؤثرة داخل المجلس الكتلة الأكبر (الصدرية) مع حلفائها من تشكيل الحكومة وتحمل المسؤولية.

وبعد ساعات قليلة من اعلان الصدر، توجه عشرات الالاف من جماهير التيار الصدري إلى المنطقة الخضراء فيما اقتحمت جموع غفيرة مبنى قصر السلام، لتنفذ الجهات الامنية بعد ذلك انتشارا واسعا واستنفارا تحسبا للمستجدات.

الحراك الاحتجاجي الذي أقدم عليه التيار الصدري لم ينحصر في بغداد وحدها، بل شمل محافظات عديدة لكن الأحداث داخل المنطقة الخضراء وقصر السلام كانت الأبرز كونها تمثل من الناحية الجغرافية مركز صناعة القرار وتواجد العديد من المسؤولين والبرلمانيين، فضلا عن المستجدات التي شهدتها.

مجددا.. التمسك بخيار القتل

وتفاعل العراقيون على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع مع الأحداث، فيما أكد عدد كبير منهم أن التمسك بخيار المحاصصة والفساد والتوافق هو أحد أسباب هذه النتائج الخطرة دون أي اكتراث تبديه القوى المتشبثة بالسلطةبمصير البلاد. 

وترأس رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي اجتماعاً طارئاً وأصدر عدداً من التوجيهات.

ووفق المكتب الإعلامي للكاظمي، فأنه “ترأس اجتماعاً طارئاً للقيادات الأمنية لمناقشة الأحداث الأخيرة.  وجدد توجيهاته في ما يخص حماية أرواح المتظاهرين”، داعيا “المتظاهرين إلى الانسحاب الفوري من المنطقة الخضراء، وعدم إرباك الوضع العام في البلاد، وتعريض السلم المجتمعي إلى الخطر”.

ولاحقا تطورت الأوضاع وبدأت تتوارد أنباء عن القتل وسقوط الشهداء داخل المنطقة الخضراء، حيث اشارت الى سقوط 10 شهداء و 150 جريحا، جلهم من الشباب، لغاية لحظة اعداد هذا التقرير.

وظهرت فيديوهات مريعة لإطلاق الرصاص الحي على المنتفضين ذكّرت المواطنين بلحظات القتل والاعدام الجماعي التي مارستها جهات في انتفاضة تشرين دون أن يُكشف عنها وعن الجهات التي تحميها. كما أظهر تصوير تناقلته المنصات الالكترونية احتماء عنصر أمني مع المتظاهرين من الرصاص الغزيز، ما يدلل على أن جهات أخرى تطلق الرصاص لطرد المتظاهرين من اماكنهم، بحسب ما قاله متظاهرون داخل المنطقة الخضراء. ولم تلق بيانات رئيسي الجمهورية ومجلس النواب أي تفاعل رغم التأكيد على التهدئة واللجوء الى الحوار. 

ووصف الاطار التنسيقي في بيان له ما يحدث بأنه “تعطيل ومهاجمة مؤسساتِ الدولةِ”، ليجدد تمسكه بموقفه ومضيه بخياره السياسي الحالي.  

انتهاكات ضد الصحفيين 

وخلال أحداث يوم أمس، أصيب عدد من الصحفيين فيما اعتُقِل آخرون، أثناء تفريق القوات الأمنية للمتظاهرين الذين دخلوا مبنى القصر الحكومي.

وابلغت وسائل إعلام مرصد الحريات الصحفية (JFO)، بتعرض كوادرها الى إصابات واعتقالات اثناء اداء مهامهم الصحفية في بغداد.

وأفادت قناة الرشيد الفضائية، بأن القوات الامنية اعتقلت فريق القناة المكلف بتغطية التظاهرات داخل المنطقة الخضراء، بالإضافة إلى مراسل قناة الجزيرة، التي اكدت تعرض كادرها في بغداد الى الاعتقال ايضاً. فيما أعلنت وكالة شفق نيوز عن اصابة مصورها. وأخبر صحفيون، مرصد الحريات الصحفية (JFO)، بتعرض عدد من الفرق الى الاعتداء وتحطيم معداتهم.

وذكر مصدر صحفي، ان “فرق قنوات العربية والفلوجة وUTV، تعرضت إلى الاعتداء وتحطيم معدات التصوير”، موضحاً ان “مراسل قناة الفلوجة تعرض إلى إصابة وفق المعلومات الاولية”. وشدد متظاهرون داخل المنطقة الخضراء على الاستمرار في الاحتجاج لعدم وجود بوادر التغيير التي يطالب العراقيون بها منذ سنوات. 

ورأي محللون وباحثون في الشأن السياسي أن الاصرار على المحاصصة أصبح سلوكا عقيما، ولن يقدم للبلد سوى تفاقم هذا الصراع وبلوغ البلد مراحل أخطر بكثير من الوضع الحالي، داعين إلى مغادرة هذا النهج أو تقبل نتائج التغيير التي سيفرضها الشارع كون الامور لم تعد تطاق والتهميش والفقر واستشراء الفساد أوصلت الأمور الى انسدادات واحتقانات مقلقة.