منذ أكثر من عشر سنوات، تحاول السلطات العراقية ثني الحكومة التركية عن تشييد سد الجزرة الذي يقع بعد أليسو باتجاه الحدود العراقية، والذي يقدر بأنه سيقلل من مياه نهر دجلة بنسبة تفوق النصف، الأمر الذي يفاقم مشكلات الجفاف والتغير المناخي، التي أرّقت العراقيين كثيرا.

والجزرة هو واحد من سدود مشروع إنشاء 22 سدا في مناطق جنوب شرق الأناضول، وهذه السدود ذات اهداف مختلفة في إنشائها: قسم منها لتوليد الطاقة الكهربائية، والأخطر هي السدود التي تنشأ كمشاريع إروائية ومنها سد الجزرة.

ويقع السد في شمال مدينة الجزرة التركية قرب الحدود السورية. ويهدف لإنتاج الطاقة الكهربائية وإحياء 500 ألف دونم من الأراضي الزراعية، بتحويل ما يقرب من 60% من مياه نهر دجلة، إلى أراضيه قبل عبورها الحدود التركية العراقية. 

ترفض الانصياع

ويثير سد “الجزرة” الذي تشيده تركيا قلق وزارة الموارد المائية إذ يقول المتحدث الرسمي باسم الوزارة حاتم حميد: ان السد “سيقلل نسب المياه الواصلة إلى العراق بنسبة 56 بالمئة، كما أن ما سيصل منها إليه سيكون بنوعية رديئة”.

وبرغم الرفض الرسمي العراقي لتشييد السد خلال الأعوام العشرة الماضية وحتى الآن، لا تزال تركيا ترفض الانصياع لمطالبنا وتواصل تشييده. 

تأثيرات كارثية

يقول المستشار السابق لوزارة الموارد المائية ظافر عبدالله: ان “سد الجزرة يقع بين سد اليسو والحدود العراقية التركية، والمساحة المقرر استثمارها لإنشائه هي بحدود 200 الف هكتار. وبالتأكيد سيخفض من واردات الماء كما ذكرت الوزارة بنسبة 56 في المائة”، مضيفا ان “هذه النسبة ستؤثر على عمود نهر دجلة من شمال الموصل وحتى مدينة الفاو في الجنوب”.

ويضيف عبدالله في حديث خصّ به “طريق الشعب”، ان المحافظات التي تعتاش على نهر دجلة تبدأ من دهوك ونينوى وصولاً الى صلاح الدين، ومن ثم بغداد والكوت والعمارة وقسم من مياهه تذهب نحو البصرة.

ويشير الى أن “نصف سكان العراق يستفيدون من مياه نهر دجلة، وان جفافه سيؤثر على التجمعات السكانية ويؤثر في الوضع الأمني، ويولد مشاكل اجتماعية هائلة وتأثيرات كارثية، حيث ان هناك اكثر من 60 في المائة، يعتاشون على الزراعة او النشاطات المتعلقة بالزراعة وسيتأثرون بانخفاض الواردات”.

ويلفت المستشار السابق الى ان موقف الدولة العراقية “ضعيف بالتفاوض مع تركيا وايران، وهذه ليست مسألة حديثة او ولدت بعد العام 2003، انما العراق لا يمتلك اي اتفاقية بينه وبين تركيا في هذا المجال اطلاقا، باستثناء البروتوكول التركي السوري الذي انضم له العراق، وهو يخص نهر الفرات”.

وطبقا للمتحدث، لم تتوصل جميع اللجان الفنية والاجتماعات واللقاءات من كل المستويات الى اتفاق يخص تقاسم الحصص المائية او تحديد نسب مئوية لها. 

3 مليار دولار سنويا

ويبين ان “الدراسات التي تجريها الوزارة هي عبارة عن مجموعة سيناريوهات وخطط تحتاج الى تطبيق وتخصيصات مالية؛ فالقطاع المائي يحتاج الى ما يقارب 3 مليار دولار سنويا، حتى يجري تحسين شبكة الري والبزل وتتطور طرق الري وتنتقل الى الطرق الحديثة”، وبالتالي فان تلك الدراسات لم تكن مجدية “لأنه لا توجد اجراءات عملية للمضي في تطبيق مخرجات هذه الدراسة” بحسب عبدالله.

وعن تأثير الصراع السياسي على هذا الملف قال عبدالله “ كان من المفترض ان يتم تشكيل مجلس اعلى للمياه برئاسة رئيس مجلس الوزراء وهذا في العام 2006، ولكن هذا الاجراء بحاجة الى تشريع والاخير بحاجة الى توافق سياسي غير موجود، وعند دخول هذا التشريع الى اروقة الكتل السياسية يجب ان يخضع لتقاسم المراكز، وعلى ضوء ذلك اجل التشريع اكثر من مرة وتم  تعويضه باللجنة العليا للمياه، وهذا التقصير بملف المياه تتحمله كل الجهات بدون استثناء”. 

مشكلة أخطر من السدود

وعن الغاية من انشاء هذه السدود، اوضح المهتم بقضايا البيئة والمياه نصير باقر قائلا: ان “تركيا تنشئ هذه السدود للاستفادة من المياه التي تمر عبر اراضينا لتوليد الطاقة وري الاراضي وغيرها، وهي تعطي نفسها اولوية من نهر دجلة، لأنها تعتقد بان العراق لا يستفيد من هذه المياه”.

وقال باقر في حديث خص به “طريق الشعب”، ان تركيا تتذرع بحجة “عدم وجود زراعة او خطة لإدارة المياه في العراق، ولكن المبررات التركية غير كافية، لأنها تستعملها كورقة للضغط على العراق اقتصادياً في سبيل زيادة التبادل التجاري، وايضا هناك اجندة سياسية بهذه الخطوات تجاه العراق” حسب وجهة نظره.

ونبه باقر الى ان “إدارة ملف المياه في العراق فيه الكثير من المشاكل، وفي ذات الوقت لا يعبر المفاوض العراقي عن احتياجات البلاد الحقيقية من الماء، إنما يتحدث عن الحقوق التاريخية في مياه نهري دجلة والفرات، وباننا اولى الناس بهذه الأنهر، لكن هذا غير كاف”.

وعن تداعيات السياسة المائية التركية على العراق، أوضح باقر أن تلك السدود تعزز عوامل التغير المناخي والجفاف الذي يعيشه العراق، مردفا “نعم السدود التركية هي جزء من هذه المخاطر ولكنها ليست كلها، فإدارة العراق لملف المياه داخلياً تسبب هدرا للمياه بشكل خطير”.

وواصل حديثه “أننا نستخدم السقي السيحي الذي غادره العالم منذ زمن، لما له من تأثير في هدر المياه”، مضيفا “إنني أعتقد أن هذه المشكلة هي أخطر من سدي الجزرة وأليسو”. 

هل نقول وداعا لدجلة؟

وفي حال عدم تدارك تلك المشكلات، فان باقر يتوقع “أن نقول وداعاً لنهر دجلة في سنين قادمة، بسبب عدم وجود سياسات مائية صحيحة ومفاوض عراقي مدرك لأبعاد القضية”، مشيرا الى ان “تركيا لو أرادت أن تقطع المياه بشكل كامل الان عن العراق لقطعته، لأنها متأكدة من انه لن يكون هناك رد فعل يوازي الحدث”.

واسترسل في كلامه “اننا نتحدث عن مدن تأسست ونشأت على اساس مجرى النهر، فعندما نقول ان هناك نهرا يجف في بغداد فعلى اقل تقدير لن تكون هناك حياة، وعندما ينتهي وجود نهري دجلة والفرات فلا يوجد سر لبقاء هذه المدن، لذلك فان الازمة ليست زراعة او صناعة بقدر ما هي ازمة بقاء”. 

ما المطلوب مستقبلا؟

وعمّا نحتاجه اليوم قال: “نحتاج لان تضع الحكومة القادمة ملف المياه والبيئة ضمن اولوياتها، ونحتاج لبرلمان قادر على تشريع قوانين وفرض سياسات الهدف منها حماية المياه في البلاد وادرتها بشكل صحيح، فرقابة البرلمان على وزارتي الموارد المائية والبيئة، يفترض ان تكون اقوى من السابق، على الرغم من انها غير موجودة اليوم”.

وخلص الى انه “يجب ان يكون المجتمع العراقي واعيا للمخاطر التي يعيشها، وخصوصا في ملف المياه، وبالتالي المطلوب من الشارع هو الضغط بهذا الاتجاه، وفي ذات الوقت نحن لا نتوقع ان يكون هناك اي دور للأمم المتحدة، فنحن لم نشهد اي تحرك لها في الصراع بين مصر واثيوبيا حول سد النهضة”.

عرض مقالات: