ضمن سلسلة حلقات برنامج “يحدث في العراق” الذي يبث عبر صفحة الحزب الشيوعي العراقي على فيسبوك، بتنظيم من قبل المركز الإعلامي للحزب، ضيّف البرنامج السبت الماضي، الأكاديمي والخبير الاقتصادي د. عبد الرحمن المشهداني، وزاهر ربيع، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، فيما حال خلل فني طارئ دون حضور المتحدث الرسمي باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي.

وتناولت الحلقة التي حملت عنوان “سوق العمل.. بطالة مرصودة واستعباد مخفي” التي قدمها الصحفي سيف زهير تفاصيلَ كثيرة تخص الواقع الاقتصادي والتحديات التي تواجه سوق العمل والمآخذ المثبتة على أداء الحكومة والجهات المعنية.

المركز: بخصوص المسح الذي اجرته وزارة التخطيط، فقد أظهر تفاصيل كثيرة تتعلق بسوق العمل وأرقاما متضاربة. بشكل عام نتحدث اليوم عن ضرورة ايجاد استراتيجية لهذا الجانب. ما رأيك بهذه الارقام وكيف ممكن ان نقوي سوق العمل؟

عبد الرحمن المشهداني: في الحقيقة، أن وزارة التخطيط تطلق المسوحات بين فترة واخرى، وكنت اعترض عليها لأنها بعيدة عن الواقع وفقا لتقديري، ولا تقترب مما نشاهده ونرصده لكننا ملزمون به لان يصدر عن وزارة التخطيط فهو رسمي، لكن التقرير الاخير الذي نفذته وزارة التخطيط بالتعاون مع البنك الدولي حمل ارقاما أنا أراها الأقرب إلى الواقع، ولم استغرب منها.

التقرير اشار الى أن السكان الفاعلين هم من 15 الى 60 سنة، لان سن العمل خفض من 63 الى 60 سنة، وهذا أدى الى استبعاد اكثر من نصف مليون شخص من قوة العمل الرسمية، نصفهم من الرجال والنصف الاخر من النساء. واشار التقرير الى حجم القوى العاملة بين الرجال والنساء. كما تجدر الاشارة الى ان العراق سابقا كانت نسبة مشاركة النساء بالعمل فيه 20 في المائة، وهي تقريبا كانت افضل دول المنطقة، الامر الاخر هو ارتفاع معدلات البطالة الى 5.16 في المائة، وهذا الرقم واقعي جدا. نحن نتفاءل دائما عندنا نسمع ان معدل النمو قد ارتفع. والتقارير المرصودة تشير الى ارتفاعه بمعدل يتجاوز 9 في المائة، وفقا لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بينما رئيس الوزراء يتغنى بارتفاع المعدل النمو وكأنه إنجاز كبير!

المركز: الاستراتيجيات التي تكتب ترمى جانبا، ولا نرى معالجات حقيقية وجادة؟

زاهر ربيع: من اجل أن تكون هذه المسوحات والاستراتيجيات فاعلة، يتطلب ان تكون هناك حكومة ونظام سياسي قادر على احداث تغيير وقادر على التعامل مع هذه السياسات. إن طبيعة المنظومة الحاكمة منذ 2003 وحتى اليوم تستند على التوافقية او على نظام المحاصصة الطائفية، وهذا النظام بطبيعته عاجز عن تنفيذ هذه السياسات والاستراتيجيات، لانها بحاجة الى إرادة سياسية وآليات فاعلة، فعندما يكون هناك فساد إداري ومالي وعندما تكون السلطة التشريعية هي جزء من السلطة التنفيذية وتتداخل كل هذه السلطات مع بعضها، تكون المحاسبة صعبة، ويصبح هناك تضارب في المصالح لذلك تتحول هذه العملية الى إسقاط فرض، وبالتالي تركن على الرف ولا تنفذ. ومن اجل تنفيذ هذه الاستراتيجيات لا بد من تخصيص مالي ورسم برامج. فموازنة الدولة حتى الان هي موازنة تخصيصات ونسبة كبيرة منها تذهب الى الجانب التشغيلي. ان مسح القوى العاملة الذي نفذ يقدم بعض المؤشرات وبعض الحقائق عن سوق العمل في العراق. يفترض ان يتم استثمار هذه الحقائق والمؤشرات بوضع سياسات وخطط، وهذا يتطلب ان تكون هناك حكومة تضع في اولوياتها قضايا البطالة والعاطلين عن العمل. اذا عدنا الى الارقام المنشورة سنلاحظ ان هناك فجوة بين المواطنين في سن العمل وبين النشطين اقتصاديا وهذه الفجوة تعني ان الكثير من الناس لا يبحثون عن عمل. كل هؤلاء لا يحسبون ضمن النشطين اقتصاديا، واذا تحدثنا على النشطين اقتصاديا فسنلاحظ ان 6.86 في المائة هم من الرجال مقابل 4.13 في المائة من النساء، اذ أن هناك فجوة كبيرة، رغم ان النساء تشكل 49 في المائة من السكان، وهذا يعني اننا بحاجة الى استراتيجيات تعالج هذا الموضوع، وايضا اذا نلاحظ ملف البطالة فان 28 في المائة بين النساء هن عاطلات، وهذا الرقم يشكل ضعف نسبة البطالة بين الرجال، وهي 14 في المائة، ما يعني أن هناك خللا كبيرا.

المركز: منظمة العمل الدولية تعمل مع الحكومة والشركاء الاجتماعيين على تنفيذ برنامج بين سنوات 2019 الى 2023، ومن ضمن أولوياته خلق فرص العمل ومواجهة عمالة الأطفال. كيف ممكن تحقيق مثل هكذا برامج ومشاريع داخل العراق؟

زاهر ربيع: في البداية نحن نتحدث عن فترة قاربت على الانتهاء. فلم يتبق سوى سنة او سنة ونصف على عمر البرنامج، ولم نلتمس اي تغيير لكن بطبيعة الحال اذا اردنا احداث تغيير في هذه القضايا الرئيسية: فرص العمل وعمالة الاطفال، فنحن بحاجة الى ارادة سياسية وبرنامج حكومي يأخذ هذه القضايا بنظر الاعتبار وايضا الحاجة ماسة الى أساس من القوانين والتشريعات التي تعمل على حل مشكلات الموضوع. وعلى سبيل المثال، نحن بحاجة الى تشريع قانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال. هذا القانون يمكن ان يساهم في ضمان حقوق العمال الذين يعملون في القطاع الخاص والذين يعملون في القطاع غير المنظم، وبالتالي انت تشجع الناس على الذهاب الى القطاع الخاص عندما يكون لديهم ضمان وليس فقط الاتجاه الى الدولة، وايضا هناك حاجة الى تفعيل قانون العمل رقم 37 لسنة 2015. هذه القوانين ليست للتشريع فقط، وإنما يجب ان تفعل ويجب ان توضع آليات لتنفيذها وتحاسب من يخالفها. وبطبيعة الحال هذا الامر بحاجة الى وجود اجهزة في الوزارات المعنية تتابع مدى تطبيق هذه القوانين.

المركز: القطاع الخاص في هذا المشهد يشكل جزءا مهما وهو يعاني ما يعاني. من ضمن المؤشرات في هذا القطاع وجود عمليات كثيرة لاستغلال القوى العاملة، تصل أحيانا الى حد الاستعباد. فمن المسؤول عن متابعة هذا الجانب، وكيف يمكن الارتقاء بمستوى القطاع الخاص؟

عبد الرحمن المشهداني: المشكلة ان كل الشباب الباحث عن العمل يطمح لان يعمل في القطاع الحكومي.و اشارت تقارير البنك الدولي سابقا الى ان عمل الموظف في القطاع الحكومي يتراوح بين الـ 15 و23 دقيقة باليوم. بمعنى ان 8 ساعات عمل يكون عملها الفعلي بحدود 17 دقيقة. انا اختلف مع الرأي الذي يقول إن هناك استعبادا للعاملين في القطاع الخاص، فهو يريد 8 ساعات عمل، واللافت لدينا أن العامل يقارن وضعه بالقطاع الحكومي، ويريد ان يكون عمله كالموظفين. يريد نفس الاجازات ونفس مستوى الراتب لذلك نرى تحولا كبيرا في طبيعة الأعمال، ونلحظ وجود العامل الأجنبي لانه ارخص واكثر إنتاجية من العمال المحليين. إن برامج خلق فرص العمل ليست في القطاع الحكومي، لانه اتخم، ونحن نعلم جيدا ان اكثر من 50 في المائة من القوى العاملة في القطاع الحكومي تعمل في قطاع الامن والدفاع، ولا يمكن ان نستوعب العمالة الفائضة اذا لم يفعل القطاع الخاص، وهذا لا يتم تفعيله بتشريع حكومي، بينما الصراع السياسي هو واحد من أسباب تلكؤ ادائه، فضلا عن اسباب كثيرة طاردة للاستثمار الاجنبي وحتى المحلي.

المركز: يبدو ان القطاعين العام والخاص امام مصاعب كثيرة، والنهج الحالي اوصل الكثير من المصانع والمعامل الحكومية الى مرحلة البيع والخصخصة، لكن لم نقدم نموذجا في الخصخصة كبقية دول العالم؟

زاهر ربيع: ان اقصاء القطاع العام والتبجح بالانتقال مباشرة الى القطاع الخاص القوي أمر لا يتناسب مع المرحلة التي يمر بها العراق حاليا.

لدينا حاليا قطاع عام قائم قبل 2003 وله أساسات ومنتج، لكن بعد 2003 اصبح هناك تخبط بالسياسات الاقتصادية، ولا يوجد توجه اقتصادي واضح للعراق بهذا الخصوص، وبقي يتخبط بين توجيهات وبين دعوات صندوق النقد والبنك الدولي. وهناك توجه كبير نحو تعطيل القطاع العام. بالمقابل، نلاحظ عمليات الاستيراد ونشاط بعض الشركات التي تعود مصالحها للبعض، ولا يوجد توجه لانعاش الاقتصاد العراقي. حتى الدول الرأسمالية بدأت تدخل كشريك في القطاع الخاص، خلافا لما يقوله المسؤولون عن هذا الواقع في العراق.

ومن أجل توفير الحماية للبلد، يجب ان يكون لدينا قطاع عام قوي ينافس وهذا لا يعني عدم توفير الظروف المناسبة للقطاع الخاص. نحتاج لان يعاد النظر بالقطاع العام ويعاد تنشيطه. وواحدة من القضايا الملفتة هي ان في الموازنة العامة للدولة تذهب أضعف التخصيصات الى الصناعة والزراعة في وقت هناك تخصيصات تكاد تقترب من ثلث الموازنة تذهب الى الأمن والدفاع. اليوم نحن بحاجة الى إعادة نظر في مدى أهمية هذه القطاعات ويجب ان نوفر لها الموارد المالية اللازمة وايضا توفير الكفاءات والأجهزة الحديثة من اجل ان تعود للعمل بصورة جيدة.