على طريق الاصلاح الاقتصادي والتنمية المستدامة التي تضمن قدراً مناسباً من العدالة الاجتماعية، تشتد الحاجة اليوم الى تطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تستثمر المواد الأولية المتوفرة في البلاد وتستوعب الفائض من الأيدي العاملة، وذلك من خلال مساعدة الدولة لهؤلاء المنتجين في توفير مساحات الأراضي المناسبة لنشاطاتهم واعداد دراسات الجدوى الفنية والإقتصادية وتحويل جزء مهم من الواردات النفطية الى قروض ميسرة لهم وعبر تدرج يعتمد على مدى نجاح عملهم الإنتاجي.

ورغم إطلاق البنك المركزي مبادرة لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في البلاد، عبر قروض ميسرة وبدون فوائد، فإن هذا القطاع الحيوي ما زال يعاني من ضعف واضح، ولا يحتل موقعه المرتجى في عملية التنمية. ويعزو خبراء اقتصاديون اسباب ذلك الى استمرار الفساد والبيروقراطية في دوائر الدولة، فضلا عن عدم توفير مستلزمات نجاح هذه المشاريع في ظل فوضى اقتصادية تعاني منها البلاد.

زيادة مبلغ القرض

وكان محافظ البنك المركزي العراقي مصطفى غالب مخيف، قد اعلن عن أنّ البنك المركزي زاد مبلغ مبادرته لإقراض المشاريع الصغيرة والمتوسطة بمبلغ تريليون دينار ليصبح إجمالي المبلغ المخصص لهذا الهدف تريليوني دينار”. وقال مخيف في بيان تلقته “طريق الشعب”، إنّ “مبادرات البنك المركزي الإقراضية، أسهمت في دعم قطاعات الصناعة والزراعة والإسكان والتجارة، وأصبحت تشكّل ما يقرب من 30 في المائة من إجمالي الائتمان الممنوح للقطاع الخاص، وأسهمت بنسبة مهمة في الناتج المحلي الإجمالي”، مشيرًا إلى أنّ هناك بعض القروض التي وفرها البنك المركزي تُمنَح من دون فائدة بل مقابل عمولة إدارية فقط، وأنّ مبادرة الواحد تريليون دينار قد أسهمت في خلق آلاف فرص العمل، وتمويل ما يقرب من ثلاثة آلاف وحدة سكنية في عموم العراق، وقد تجاوزت نسبة تنفيذها الـ 90 في المائة، مما دعانا لزيادة مبلغها بتريليون دينار إضافي”. وأضاف أنّ “أدوات السياسة النقدية أسهمت بصورة كبيرة في دعم الاقتصاد، وتجاوز الأزمات المالية التي حصلت في البلاد”.

عقبات حقيقية

من جانبه، بيّن الخبير الاقتصادي احمد خضير ان العقبة الحالية امام تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة هي عدم قدرتها على المنافسة في ظل اغراق الأسواق المحلية بالمنتجات المستوردة. وذكر خضير لـ”طريق الشعب”، ان “البنك المركزي قام بحل مشكلة التمويل للمشاريع المتوسطة والصغيرة، ولكنه لم يغلق الباب امام الفساد والبيروقراطية، التي لاتزال تعرقل أي خطوة للنهوض بواقع الاقتصاد المحلي”، مشيرا الى ان “تنفيذ المبادرة انيط الى المصارف الاهلية والحكومية التي تعاني من فساد وبيروقراطية مقيتة، عرقلت الكثير من عمليات التنمية”.

وأشار الى ان “توفير كفيل ضامن من اجل صرف المبالغ للمقترضين، عرّضهم الى ابتزاز بعض ضعاف النفوس، الذين اشترطوا الحصول على نسبة من أموال القروض مقابل الموافقة على كفالة المقترض”، مبينا ان “من حق المصارف ضمان استرجاع الأموال، لكن إجراءاتها معقدة، وكان يمكن تبسيطها من اجل تسهيل المهمة امام أصحاب المشاريع الحقيقية عبر قبول كفالة المشروع لنفسه”.

وتابع ان “العديد من القروض منحت الى جهات واشخاص لغرض تحقيق مصالح مادية انية، وليس من اجل تنفيذ مشاريع تسهم في تنمية الاقتصاد المحلي”، مشددا على “ضرورة القضاء على هذه الظاهرة التي تقوم على سرقة فرص أصحاب المشاريع الحقيقية، وتقديمها لأشخاص غير طموحين”.

ونوه الخبير الى ان “ارتفاع معدلات التضخم نتيجة ارتفاع سعر صرف الدينار امام الدولار، والقيام بضخ حوالي 30 ترليون دينار عراقي الى السوق وتبعات جائحة كورونا وعدم وجود خطط واضحة، شكلت أسباباً رئيسية في عدم تحقيق أهداف هذه المبادرة”، مؤكدا على ضرورة استمرار الدعم لهذه المشاريع لما لها من دور في تنفيذ خطط وبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

هذا ويُذكَر أنّ البنك المركزي كان قد أطلق مبادرات إقراضية متعددة، منها مبادرة تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومبادرة المشاريع الكبيرة البالغة خمسة تريليونات دينار لتمويل المصارف المختصة، فضلاً عن ثلاثة تريليونات دينار لدعم القطاع العقاري، وأخيرًا مبادرة تمويل الطاقة النظيفة بمبلغ تريليون دينار، ليصبح إجمالي المبالغ المخصصة للمبادرات التنموية أكثر من خمسة عشر تريليون دينار عراقي.

غياب التخطيط

بدورها، اكدت الاكاديمية مي وليد على ضرورة وضع استراتيجية واضحة تعمل على تطوير وتنمية قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وقالت وليد لـ”طريق الشعب”، ان “العراق قبل عام 2003 كان يمتلك حوالي 80 ألف مشروعاً صغيراً و160 مشروعاً متوسطاً، يعمل فيها مجتمعة حوالي 200 ألف عامل، فيما تراجعت هذه الأرقام الى مستويات قياسية، حيث تشير الاحصائيات حاليا الى ان عدد المشاريع الصغيرة في العراق لا يتجاوز 10 الاف مشروع، تستوعب حوالي 30 ألف عامل”.

وأضافت ان “هذه الأرقام تعكس الوضع المتدهور للاقتصاد المحلي من ناحية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مما يعكس خللا حقيقيا في بنية الاقتصاد وتأثيراته على معدلات الفقر والبطالة وسط غياب الدعم الحكومي”. واشارت الى ان “البعض يتصور ان الحكومة عليها توفير الدعم المالي فقط، وهذا غير صحيح، فهناك قضايا ساندة أخرى يجب دعمها لتمكين هذه المشاريع من النهوض والمنافسة في السوق ومن ضمنها الوقود والكهرباء والايجار”. وتابعت الباحثة ذكر المشاكل التي يواجهها هذا القطاع كصعوبة انجاز معاملات المشاريع في الدوائر المعنية، والإجراءات الروتينية المتعلقة بتأسيس المشروع والحصول على تراخيص الإنتاج والتشغيل واجراءات الصحة والسلامة والاستيراد والتصدير، وعدم توفر الاحتياجات اللازمة من المهارات الفنية والأدارية. ونوهت الى ان “الفردية طاغية في هذه المشاريع ولا نلحظ دورا للعمل الجماعي في ظل فقدان دور المؤسسة، الضروري في إنجاح هكذا مشاريع”. ودعت الى توفير الحماية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة ومساعدتها على المنافسة عن طريق ضبط المواد المستوردة الى داخل البلاد، وتفعيل عمل الجهاز المركزي للقياس والسيطرة النوعية، واعفاء أصحاب المشاريع من الضرائب والرسوم، مع اعفاء مستلزمات الإنتاج والمواد الأولية من الرسوم الكمركية”.

عرض مقالات: