تحتفي دول العالم في العشرين من شهر تشرين الثاني من كل عام باليوم العالمي لحقوق الطفل، وفق توصيات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وذلك لتعزيز التعاون والتوعية بين الأطفال في جميع أنحاء العالم، وتحسين رفاهيتهم.  

واعتمد هذا اليوم على ضوء إعلان وثيقة حقوق الطفل عام 1959م، وهي تضم كافة الحقوق السياسيّة والمدنيّة والثقافيّة والاقتصاديّة للأطفال، إضافةً إلى مراقبة تنفيذ البنود الواردة فيها من قبل لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة، والتي تضمّ أعضاء الدول الموقعة عليها.

العراق واحد من البلدان الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، وعليه فقد تعهّد بتنفيذ كافة الحقوق المنصوص عليها، بما في ذلك حماية الاطفال من كافة أشكال الاستغلال.

الا ان الواقع الذي يعيشه الأطفال العراقيون وفي ظل المعطيات الواردة من الجهات المعنية الدولية والمحلية تشير الى غير ذلك، فقد اشارت منظمة اليونيسيف في تقرير لها الى ان “أطفال العراق يواجهون أعلى زيادة في معدلات الفقر، حيث يوجد طفلان فقيران بين كل 5 أطفال”. 

يواجهون الفقر 

التقييم الصادر اخيرا عن وزارة التخطيط، بدعم من اليونيسف، والبنك الدولي، ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، وُجد أن 4.5 مليون آخرين من العراقيين (أي ما يقارب 11.7في المائة) يواجهون خطر الوقوع تحت خط الفقر، نتيجة التأثير الاجتماعي الاقتصادي لجائحة كورونا، وتؤدي هذه الزيادة الحادة إلى رفع معدل الفقر الوطني من 20في المائة عام 2018 إلى 31.7في المائة اليوم، وزيادة العدد الإجمالي للفقراء إلى 11.4 مليون. 

ويواجه الأطفال واليافعون أعلى زيادة في معدلات الفقر. وبواقع 2 من كل 5 اطفال، أو ما يمثل 37.9في المائة من العدد الكلي للأطفال.

وحول الموضوع اوضح وزير التخطيط الدكتور خالد بتال النجم، قائلا “النتائج تصوّر وضعا مقلقا خاصة بالنسبة إلى أكثر شرائح السكان ضعفا، مما يتطلب الوضع استجابة أكثر فعالية، تتركز على الحماية الاجتماعية والتحويلات النقدية إلى الشرائح الأشد فقراً، مع الاستمرار في الوقت نفسه في استثماراتنا، والعمل على زيادتها، في خدمات الصحة والتعليم، ودعم الأسر الفقيرة”.

ضعف التعليم المبكر

وتشير نتائج المسح حول سوء التغذية، التي تتحدث عنها متحدثة اليونيسف زينة عوض إلى أن “ 2.9في المائة من الأطفال دون الخامسة من العمر في العراق يعانون من نقص الوزن، و2.5في المائة منهم يعانون من الهزال، و9.9في المائة منهم يعانون من التقزم”.

وحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة فان نحو 90في المائة من الأطفال العراقيين لا تتاح لهم فرصة الحصول على تعليم مبكر، رغم زيادة معدل التحاق الأطفال بالتعليم الابتدائي عند مستوى 92في المائة، الا ان إكمال المرحلة الابتدائية بين أطفال الأسر الفقيرة لا يتجاوز 54في المائة.

وكشفت الأمم المتحدة في تقريرها الصادر في 19 كانون الثاني 2018 أن الفقر والنزاع تسببا في انقطاع العملية التعليمية لثلاثة ملايين طفل في أنحاء العراق.

مدارس تفتقد خدمات الماء 

أواخر شهر آب الفائت من العام الحالي حذرت منظمة اليونيسيف، من خطر الجفاف الداهم على أطفال العراق، مشيرة إلى أن قرابة 3 من بين كل 5 أطفال في البلاد، ليس لديهم وصول إلى خدمات الماء الآمن.

وذكرت المنظمة في بيان تلقته “طريق الشعب” أنه “ونحن نشهد الأسبوع العالمي للماء، ثمة أكثر من مليوني طفل وأسرهم سيواجهون نقصا حادا في الماء بحلول عام 2030 ما لم يتم اتخاذ اجراء الآن”.

وأضافت، أن “قرابة 3 من بين كل 5 أطفال في العراق ليس لديهم وصول إلى خدمات الماء الآمن، كما أن أقل من نصف المدارس في عموم البلد تمتلك خدمات الماء الأساسية، مما يعرض صحة الأطفال للخطر، ويهدد تغذيتهم، ونموهم المعرفي، وسبل عيشهم المستقبلية”.

ودراسة اخرى لمنظمة اليونيسف تبين أن 81في المائة من الأطفال في العراق تعرضوا للتعنيف الجسدي أو النفسي. ويشير التقرير ذاته إلى “أن الأسر تميل لضبط سلوك الأطفال من خلال معاقبتهم، عندما يسيئون التصرف والسلوك ليتسنى لهم تنشئتهم بطريقة ملائمة”.

 العنف المتمادي ضد الاطفال 

في هذا الصدد، أصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة بيانا تحذر فيه من تبعات العنف المتمادي ضد الأطفال العراقيين، لا سيما بعدما بلغ مستويات خطيرة، وفيما بات 4 من بين كل 5 أطفال بالعراق، يتعرضون للعنف والضرب.

وأكدت المنظمة الأممية، أنه ما من شيء يبرر العنف ضد طفل صغير، كما أن هذه الظاهرة لا بد من منعها ووقفها.

وطالبت اليونيسيف الحكومة العراقية بتكريس آليات رصد ومتابعة لمرتكبي جرائم العنف والقتل بحق الأطفال وتقديمهم إلى المحاكمة، فالأطفال في العراق، بحاجة ماسة إلى حماية وضمان حقوقهم، وتوفير بيئة آمنة خالية من العنف، وملائمة لتطوير قدراتهم وقابلياتهم على أكمل وجه.

كما أكدت بيانات سابقة بشأن حقوق الأطفال صدرت عام 2018، أن 4 من بين كل 5 أطفال في العراق، ما زالوا يتعرضون للعنف في المنزل أو المدرسة.

وعن أعداد حالات العنف الأسري، بينت عضو مفوضية حقوق الإنسان السابقة بشرى العبيدي، بناء على الأرقام الحكومية فإن عدد حالات العنف الأسري المبلغ عنها سنة 2020 بلغت 15 ألف حالة. في حين أن الداخلية أعلنت عن 17 ألف حالة، إلا أن هذه الإحصاءات شيء بسيط من الأعداد الحقيقية غير المبلغ عنها، ونتوقع زيادتها مستقبلاً.

وبحسب تقرير فصلي لرئاسة محكمة استئناف الرصافة وحدها، فإنه جرى تسجيل أكثر من ألف حالة عنف أسري لثلاثة أشهر فقط من العام الحالي.

وكان تقرير سابق صادر عن مجلس القضاء الأعلى، أشار إلى المحاكم العراقية سجلت 1606 دعاوى لعنف ضد الأطفال في العام 2019.

بغداد الأعلى في التعنيف 

وكشفت مديرة مكتب رعاية الطفولة في العراق غادة الرفيعي، عن وجود خطة لحماية الطفولة، تمتد أربع سنوات، مشيرة إلى أن العاصمة بغداد هي الأعلى في نسبة تعنيف الأطفال.

ولفتت إلى أن الأطفال المشردين أكثر عرضة لحوادث التعنيف، ووزارة الداخلية تتخذ الإجراءات اللازمة وفق سلسلة إجراءات من ضمنها فحص الطفل، سواء ذكر أو أنثى. أما المشردون فيتم إدخالهم في دور الأحداث بأمر القاضي. 

وتعليقا على بيان اليونيسيف الذي قدم أرقاما صادمة، حول واقع الأطفال العراقيين المأساوي، تقول بشرى العبيدي، الناشطة في مجال الدفاع عن الطفل والمرأة، “هذه ليست أول مرة تظهر مثل هذه الإحصائيات المخيفة بشأن حجم العنف المتوحش الذي يتعرض له الطفل العراقي، ولهذا عملنا منذ زمن طويل على الدفع باتجاه إقرار قانون لحماية الأطفال بالعراق”.

وتضيف الأستاذة الجامعية العراقية: “لا أعلم لماذا ترفض مختلف الحكومات العراقية المتعاقبة، إقرار تشريعات وقوانين تحمي الأطفال وتجرم العنف بحقهم، من قبل ذويهم، وتمانع وترفض سنها، ومع إرسال مشروع القانون مجددا للبرلمان، واجه رفضا وهجوما حادا عليه، حاله حال مشروع قانون الحماية من العنف الأسري ومن قبل نفس الجهات”.

عمالة الأطفال 4.9 

في الأحياء الصناعية في مدن العراق، تلمح أطفالاً يعملون في “الكراجات”، وفي غالبية أسواق المدن التجارية تجد أطفالا يدفعون العربات لنقل حاجات المتبضعين او يبيعون الأكياس البلاستيكية ويفترشون الأرصفة لبيع السلع والبضائع وغالبيتهم دون السن القانونية للعمل. 

الظاهرة اللافتة أن جل العاملين في محال الغسل والتشحيم على الطرقات بين المدن والأحياء الصناعية من الصبية والفتيان الصغار، وذلك بسبب رخص ثمنهم وتوفر وقتهم ورضاهم بأدنى الأجور ما يجعلهم مفضلين لدى أرباب العمل.

وفي ظل غياب التشريعات القانونية الخاصة بحماية الطفل والرادع الاجتماعي وضعف الرقابة وارتفاع معدلات الفقر، تتصاعد احتمالية ترك الطفل المدرسة في سنّ مبكرة وممارسته الأعمال الشاقة مع الكبار.

ويذكر تقرير منظمة اليونسيف الاخير عن أطفال العراق، في ظلّ جائحة فايروس كورونا المستمرة، “ينتابنا قلق بالغ في منظمة العمل الدولية (ILO) واليونيسف من أن هذه الجائحة ممكن أن تزيد من عدد الأطفال الفقراء المهددين بخطر الاضطرار الى الالتحاق بعمل الأطفال”.

واضاف التقرير “حتى من قبل أن تضرب جائحة كورونا العالم، كان هناك 7.3في المائة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 إلى 17 عاما، منخرطين في أشكال متنوعة من عمل الأطفال، بما في ذلك الأعمال الخطرة والاستغلالية، بحسب نتائج المسح العنقودي المتعدد المؤشرات السادس (MICS-6) الذي دعمته اليونيسف، والذي أجري عام 2018، ليعطينا بيانات وافية بشأن الأطفال والمراهقين في العراق حتى ذلك الحين”.

اللافت للأمر أن العراق صادق على اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام للعام 1973 (رقم 138) واتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال لعام 1999 (رقم 182)، والتي تعتبر أساسية في مكافحة عمل الأطفال.

وفي إعلانات وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي العراقي أواخر عام 2017، أشارت الى أن “عمالة الأطفال في البلاد تشكل 4.9 بالمائة من مجموع السكان”، ووفق التعداد السكاني الذي أعلنته الحكومة العراقية البالغ 37 مليون نسمة آنذاك.

وقال الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط، في بيان له، إن “عمالة الأطفال للفئة العمرية البالغة 5 - 17 سنة، بلغت نسبتها 4.9 بالمائة، إذ شكلت نسبة الذكور 7.1 بالمائة، ونسبة الإناث 2.5 بالمائة”.

في حين أفادت مفوضية حقوق الانسان بأن نسبة عمالة الاطفال في العراق وفق الارقام الرسمية، تقدر بنسبة 2في المائة اي ما يعادل 800 ألف طفل تقريباً، وهذا الامر يخالف قانون العمل.

قانون حماية الطفل 

وعدّ عضو المفوضية السابقة علي البياتي، في حديث لوكالات أنباء محلية، أن “ممارسة الأطفال للعمل يشكل خطورة عليهم بحكم طبيعة وظروف العمل الصعبة، فضلا عن امكانية تعرضهم الى التحرش بكل الانواع، ووجود احتمالية كبيرة لاستغلالهم من قبل عصابات التسول والاتجار بالبشر والمخدرات وغير ذلك”.

واضاف البياتي انه “لا يوجد قانون خاص لحماية حقوق الطفل في البلاد، كما ان القوانين العراقية المشرعة لا تحتوي على فقرات واضحة في قضية حماية الاطفال، عدا القوانين القديمة المتعلقة بالجانب الجنائي وغيره”.

واشار الى “وجود نقص ببيوت ايواء الاطفال المشردين وعوائلهم، سيما وان الارقام الدولية تتحدث عن اكثر من 3 ملايين طفل عراقي خارج المدارس”. 

وذكرت المسؤولة في قسم عمالة الاطفال في وزارة العمل مروة عبد الواحد يوم 16 آب 2021، ان “اللجان توجه تحذيراً الى صاحب العمل المخالف في تشغيل الاطفال، ومن ثم يتم إصدار انذار من قبل الوزارة، او إحالته الى المحكمة في حال عدم تركه للطفل العامل لديه”، مضيفةً ان “المخالفين سرعان ما يتخلصون من الاطفال، لتجنب محاكمتهم قانونياً”.

4 ملايين يتيم 

وتعيش الطفولة العراقية واقعا مأساوي، ما بين حرمان وفقر ونزوح وعمالة ومتاجرة وغيرها؛ حيث أوضح الأستاذ المساعد في علم الاجتماع الدكتور فراس البياتي ان “الحروب خلفت أكثر من 4 ملايين طفل معاق جسديا”، مؤكدا “أنهم يعانون من نقص حاد في الرعاية الصحية ونقص في توفير الأطراف الصناعية والعمليات التجميلية”.

وتشير احصاءات وزارة التخطيط والتعاون الانمائي الى ان عدد الاطفال الأيتام في العراق بلغ نحو اربعة ملايين ونصف المليون طفل خلال العام 2016، بينهم 500 ألف طفل مشرد في الشوارع.

من جهته، أفاد المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي حول أعداد الأيتام الذين خلفتهم الحروب والانفلات الأمني في العراق، أنه “بحسب آخر دراسة أعدتها وزارة التخطيط عام 2017، بلغ العدد أكثر من مليون طفل يتيم”.

وكان عبد الأمير المياحي، عضو مجلس النواب السابق عن محافظة البصرة، قد كشف وقت سابق، أن “عدد الأيتام في العراق يقدر بقيمة 5 ملايين في العام 2018”، لافتا إلى أن “عددا من النواب قدموا مقترح قانون لضمان حقوق الأيتام، قياسا بأعدادهم الكبيرة جدا”.

وحول ما يتعلق بأشكال المتاجرة بالأطفال من اختطاف ومساومة وبيع واستغلال، يؤكد المتحدث باسم وزارة التخطيط عدم توفر إحصائيات لدى وزارة التخطيط لأنه ليس من السهولة متابعة أو ملاحقة مؤشرات هذه القضايا.

زواج القاصرات

اما ما يخص زواج القاصرات، فتشير النائبة انتصار الجبوري إلى أن قانون الأحوال الشخصية حدد سن الزواج بـ18 عاما، وفي حالات أعطى صلاحية للقاضي لتزويج الفتيات في عمر 14 عاما.

وفي مسح أجرته اليونيسف أكدت أن 7.2في المائة من النساء في عمر 20 و24 عاما قلن إنهن تزوجن قبل سن 15 عاما، وكذلك فإن 28في المائة تزوجن قبل بلوغهن سن 18 عاما.

وعن تقرير أصدرته منظمة “أنقذوا الأطفال” المعنية بحماية حقوق الأطفال عام 2020، فقد عدّت العراق ضمن أخطر 10 دول لعيش الأطفال في العالم.

وفي 16 حزيران من عام 2016م، أصدرت منظمة حقوق الأطفال تقريراً نشر في موقع (RT Arabic) الإلكتروني ومواقع عالمية أخرى حيث احتلت تونس المرتبة الأولى عربياً والعاشرة عالمياً في احترام حقوق الأطفال، من بين 17 دولة عربية، وجاء العراق في ذيل القائمة بالمرتبة الـ 17 عربياً، والمرتبة 149 عالمياً من بين 163 دولة.