فور اعلان مفوضية الانتخابات النتائج الأولية التي اضعفت وجود كتل سياسية في البرلمان طالما اتخذت من المحاصصة الطائفية منهاجاً لها، توجهت هذه القوى إلى تصعيد خطابها تدريجياً، حتى وصلت مرحلة التلويح باستخدام السلاح، الامر الذي خلق أجواء متوترة جداً في الشارع العراقي، وبيّن هذا أن الديمقراطية في العراق يراد لها ان تكون في اتجاه واحد . 

وشهدت بضع محافظات، منها العاصمة بغداد، والبصرة، وواسط وغيرها، احتجاجات متقطعة يقوم بها أنصار قوى سياسية ومسلحة، والى جانبها  دعوات للتهدئة يطلقها سياسيون ومسؤولون.

 

ديمقراطية بلا ديمقراطيين

وقال أ.د. قاسم حسين صالح، الباحث في سيكولوجيا الناخب، أن ما يحصل الان من حالة ارباك يعيشها العراقيون بعد اعلان نتائج الانتخابات هو “نتيجة حتمية لسيكولوجيا الفوضى والبارانويا، الناجمة عن صراع قوى سياسية استفردت بالسلطة والثروة عبر 18 سنة، عاش فيها المواطن العراقي مرعوبا يسكنه قلق من المستقبل المجهول. وما يحصل الآن هو احد مشاهد هذا المستقبل”.

وأضاف صالح لـ”طريق الشعب” أن “المشكلة ليست في ان يرفض الخاسرون نتائج الانتخابات، فهذا امر طبيعي له مبررات اعتبارية وسياسية، لكن ان يجري شحن العدوان في نفوس انصار الخاسرين وتحشيد الشارع بتظاهرات تربك المواطن وتصور له اننا سائرون في طريق الدم، فهذا ما يحتاج الى صوت العقل والاستماع لرأي حكماء القوم”.

وأوضح أن اهم سبب في ما يحصل هو اننا “لم نتعلم السلوك الديمقراطي ولم نؤمن بأهم مبدأين في الديمقراطية: التداول السلمي للسلطة، والعدالة الاجتماعية. فمشكلتنا هي اننا لدينا ديمقراطية ولكن بلا ديمقراطيين”.

فرض إرادات  

وفي السياق قال رئيس مركز التفكير السياسي احسان الشمري، لـ”طريق الشعب”، ان التلويح باستخدام السلاح “ يؤكد وصولنا إلى حافة الهاوية”، مبيناً أن “القوى التي تهدد بالسلاح تحاول الضغط على السيد  مقتدى الصدر من أجل العودة الى البيت السياسي الشيعي والذهاب نحو التوافق. والتوافق في نهاية الامر لا يعني بالضرورة ما حصلت عليه هذه الأطراف من مقاعد، بقدر ما يعني ان الأطراف المعترضة تسعى الى ان يكون هناك قرار شيعي اكثر مما هو انتخابي”.

وأضاف ان “ بعض القوى السياسية تريد فرض ارادتها من جديد، خصوصاً وانها تدرك ان غيابها عن الواجهة السياسية لن يوفر لها الحصانة السياسية، وهذا ما يدفعهم لفرض إرادة السلاح على حساب الآلية الديمقراطية”. 

وأوضح الشمري، أن على “المفوضية الا تذعن لضغوط القوى السياسية الخاسرة، لأنها على المحك وهي تعرف ان أي عملية تغيير من خارج صناديق الاقتراع سيعرّض العراق الى الخطر، خصوصاً وان هذه الانتخابات خضعت للمراقبة الدولية”. 

“انقلاب على إرادة العراقيين” 

في غضون ذلك قال الخبير في الشأن العراقي علي البيدر، في تصريحات تابعتها “طريق الشعب”، إن “ اللجوء إلى الشارع، والتلويح  بالسلاح، يمثل انقلابا غير مباشر على إرادة العراقيين، ومصادرة إراداتهم. وان هذا المسار يأتي لتعزيز مكاسب بعض القوى في السلطة، وأيضا لتعزيز ضمانة رموزها من المحاكمات، وإحاطتهم بنوع من الحصانة”. 

وأضاف البيدر، أن “هذه الأحزاب تسعى حاليا لخلق وضع هلامي، لا سلم ولا حرب، لتجبر الأطراف الأخرى على الانصياع إلى أوامرها؛ ما يؤكد ضرورة وقوف القائد العام للقوات المسلحة، بشكل صارم أمام هذا المسار، وهو الدور ذاته الذي يُلقى على عاتق المجتمع الدولي “.

ضائقة اقتصادية 

وخلفت نتائج الانتخابات وحالة الاستعصاء السياسي التي يعيشها العراق اضرارا على الواقع الاجتماعي والاقتصادي.

وقال الخبير الاقتصادي نبيل جبار العلي لـ”طريق الشعب”، ان “صلاحيات حكومة تصريف الاعمال في الانفاق محدودة جداً، ولذا سيتوقف الانفاق المتعلق بالمشاريع الاستثمارية، فضلاً عن اننا ننتظر ان تكتمل الاستحقاقات الدستورية، مثل تكليف رئيس الجمهورية والوزراء، وهذا ما سيستغرق وقت طويلاً، يؤخر إقرار الموازنة”.

وتوقع العلي، أن “يشهد اقتصاد الدولة نوعا من الركود نتيجة توقف الانفاق”، مؤكداً أن “هذا سوف ينعكس على الشارع لان الناتج المحلي الإجمالي للعراق يعتمد على الانفاق الحكومي، وان انخفاض مبيعات البنك المركزي العراقي ناجم عن انخفاض النشاط التجاري”.

وأوضح ان “الركود الان في الأسواق سيدفع الكثير من أصحاب المشاريع الى اغلاق أعمالهم، مما يسبب زيادة حالات الاستياء لدى المواطنين، ويدفعهم نحو الاحتجاج ان توفرت له الظروف المناسبة ، علما ان هذه هي  الأسباب ذاتها التي دفعت الناس للاحتجاج في تشرين 2019”.