تنشر “طريق الشعب” سلسة حلقات حول شح المياه والتغييرات البيئية والمشاكل التي يواجهها العراق جراء ذلك

تلعب التغيرات المناخية كارتفاع درجات الحرارة وندرة تساقط الامطار دورا اساسيا ومضافا في ازمة شح المياه بالعراق؛ حيث تشكل الامطار ثلاثين في المائة من موارد البلد المائية، فيما تشكل مياه الأنهار السبعين في المائة الباقية. 

ويؤدي تفاوت كمية المياه الواردة الى البلد من النهرين بين زيادة مفاجئة قد تسبب في حدوث فيضانات أو شح يؤدي إلى الجفاف، عند انخفاض معدل سقوط الأمطار كما حدث في شتاء 2017 -2018 حيث انخفض إلى أقل من ثلث المتوسط.

والتغير المناخي هو ارتفاع درجات الحرارة إلى ما فوق معدلاتها، فارتفاع أكثر من 3 درجات مئوية عن المعدل يسهم في زيادة تبخر مياه الأنهار بنسبة 20%، ما يضاعف خطر الجفاف في البلد المميز بجفاف صيفه.

ويشير تقرير لموقع “المونيتور” الأميركي الى أنه “في وقت ترتفع درجات الحرارة في مناطق عديدة بالعراق إلى 50 درجة مئوية، ستنخفض مستويات المياه في نهري دجلة والفرات بشكل كبير وبدرجة تثير مخاوف من جفافهما بالكامل”.  

الجدير بالذكر من مؤشرات تأثير ظاهرة الاحتباس الحراري على العراق، هو تعاقب فترات شح كبيرة، كان الأسوأ منها ثلاث سنوات متتالية هي 1999 و2000 و2001، ويتكرر الحال المأساوي منذ عام 2008 وبشكل متذبذب، بسبب ندرة سقوط الأمطار.

مستقبل أكثر سخونة وجفافا 

ويشهد العراق حاليا موسم جفاف حاد بفعل المتغيرات المناخية، يصنف بالاكثر جفافا على مدى الاربعين عاما الاخيرة، وذلك لندرة موسم الامطار في عام 2020 - 2021، ما تسبب بتناقص حاد في تدفق المياه لنهري دجلة والفرات، بلغت نسبته 29% و73% على التوالي.

وجاء في تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، أن “موسم هطول الأمطار في العراق لعام 2020 - 2021، هو الثاني من حيث الجفاف خلال الأربعين عاماً الماضية”.

ويقول المهندس مهدي رشيد، مدير عام السدود والخزانات المائية في وزارة الموارد المائية، إن “انخفاض منسوب مياه الأنهار سببه انحسار الأمطار للموسم الثاني على التوالي، وارتفاع درجات الحرارة” التي تتجاوز عادة الخمسين درجة خلال موسم الصيف.

اما عن انعكاسات ارتفاع درجات الحرارة على شحّ المياه وقلة تساقط الأمطار، والكمية التي يحتاجها العراق من المياه، فيتوقع الخبير الإستراتيجي بالسياسات المائية رمضان حمزة محمد “أن يشهد العراق والمنطقة ارتفاعا كبيرا في درجات الحرارة وباستمرار موسم الصيف لنهاية موسم الخريف، لتزيد هذه الضغوط المناخية من احتمال مستقبل أكثر سخونة وجفافا في البلاد، وستزيد حالات التبخر من المسطحات المائية العراقية سواء الطبيعية كالثرثار وبحيرة الحبانية أو خزانات السدود مما يقلل من الخزين الإستراتيجي الذي يعتمد عليه العراق في تغطية نقص التصاريف الواردة من تركيا وإيران”.

أكبر الخاسرين 

ويقرّ كبير خبراء السياسات المائية بأنّ العراق هو الطرف الخاسر في المعادلة المائية إذا استمر الجفاف لأكثر من موسم، مع استمرار تحكم دول الجوار المائي بالمياه، والتقاسم غير العادل لها.

خطورة عالية 

وأظهرت التقارير الدولية ان الدول المسجلة بأعلى معدلات لدرجات الحرارة المرتفعة في العام 2010 كانت 19 دولة متضررة، وكان من ضمنها العراق، وأن ارتفاع درجات الحرارة أدى إلى جفاف بعض الروافد المغذية للأنهار بسبب التبخر العالي للمياه.

يشار ان العراق أدرج ضمن قائمة الدول المُصنفة بأن لديها “خطورة عالية” فيما يتعلق بالشح المائي ومخاطره، حيث تبلغ درجة الإجهاد المائي فيه 3.7 من 5 بحسب المؤشر العالمي، فيما تقف عدة عوامل وراء هذا الوضع المائي الحرج، من أهمها التغيرات المناخية المتمثلة في قلة سقوط الأمطار وجفاف الأنهار وارتفاع درجات الحرارة، إضافةً إلى عوامل أخرى تؤثر سلبا على واردات المياه من النهرين.

انخفاض مستمر في الأمطار

أستاذ هندسة الموارد المائية بجامعة لوليو السويدية الخبير نضير الأنصاري قال: “إن منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا من أكثر المناطق تعرُّضا للتأثيرات المحتملة لتغير المناخ. وبالفعل تعاني المنطقة من الجفاف وندرة المياه وزيادة متوسط درجات الحرارة، وانخفاض هطول الأمطار”.

وأشار إلى أن “تحليل سجلات هطول الأمطار ودرجات الحرارة في أجزاء مختلفة من العراق، يشير إلى أنه سيكون هناك انخفاض مستمر في هطول الأمطار، وزيادة في درجة الحرارة، مما يؤدي إلى انخفاض السعة التخزينية للخزانات والإنتاجية الزراعية، واستنزاف موارد المياه الجوفية بسبب قلة إمدادات المياه”.

الهدف السادس من التنمية

ووفق تقرير للأمم المتحدة ستتأثر إمدادات المياه في كثير من دول العالم بسبب تغيّر المناخ، وسيظهر التأثير بشكل أكبر في المناطق الاستوائية والجافة حيث البلدان النامية، مع تأثيرات محتملة يصفها التقرير بالـ”مروعة” على “الدول الجزرية الصغيرة التي يحتمل أن تختفي من خريطة العالم”، كما ستتأثر أحواض الأنهار، مثل حوض النيل في أفريقيا، ودجلة والفرات في العراق.

ويتوقع التقرير “أن يؤدي التدهور في موارد المياه إلى إعاقة تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة لعام 2030”، اذ يشدد هذا الهدف على ضرورة ضمان الحصول على مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي للجميع في خلال عشر سنوات. 

ويؤكد تقرير الأمم المتحدة تدهور نصف المناطق الزراعية في مصر والعراق والمغرب واليمن مع ارتفاع الحرارة 4 إلى 5 درجات.

7 ملايين عراقي مهددون

وقد أصدر المجلس النرويجي للاجئين، تقريرا يحذر من تفاقم الكارثة مع ارتفاع درجات الحرارة، وانخفاض مستويات الأمطار والجفاف في جميع أنحاء المنطقة، مما يؤدي لحرمان الأهالي من مياه الشرب ومياه الري، ولعرقلة عمليات توليد الكهرباء نتيجة شح ونفاد مياه السدود، وهذا يؤثر بدوره في عمل المرافق العامة الأساسية، بما في ذلك قطاع الخدمات الصحية.

واشار التقرير إلى أن “أكثر من 7 ملايين مواطن في العراق مهددون جراء فقدان الوصول لمياه الفرات”.

وأفادت اليونيسيف بأن “أكثر من مليوني طفل وأسرهم في العراق سيواجهون عجزا كبيرا في المياه المنزلية عام 2030، إذا لم يتم اتخاذ أي إجراء”.

في هذا الصدد، قالت شيما سين غوبتا، ممثلة اليونيسيف في العراق: “إن مستوى شح المياه في العراق ينبئ بالخطر، فالأطفال لا يستطيعون النمو ليبلغوا كامل طاقاتهم بدون الماء”. 

وأضافت قائلة: “آن الأوان للقيام ببعض الأعمال بشأن التغير المناخي، وضمان الوصول للماء الآمن لكل طفل”.

فالطلب المتزايد على الغذاء، والنمو الحضري، والإدارة السيئة للمياه، فضلا عن التغير المناخي، تضافرت جميعها لتهدد الأطفال والفقراء والمهمشين.

بينما ليس التغير المناخي السبب الوحيد لشح المياه، إلا أنه تسبب في تناقص في مياه الأمطار للزراعة، وتدهور في جودة احتياطي المياه العذبة نتيجة للتدفق العكسي للمياه المالحة القادمة من الخليج العربي نحو طبقات المياه الجوفية العذبة، وتركيزات التلوث المتزايدة.

فيما حذرت دراسة “التنمية والتغير المناخي في العراق” من تأثيرات التغيرات المناخية على انخفاض نصيب الفرد من المياه العذبة على نحوٍ غير مسبوق يقدر بحوالي 865 مترا مكعبا سنويا.

إذ يبلغ متوسط نصيب الفرد من المياه الصالحة للشرب في العراق 397 لترا في اليوم، بفجوة عن الحصة الواجب توافرها (وهي 450 لترًا في اليوم) تبلغ 53 لترا في اليوم، وفق تقرير خطة التنمية الوطنية العراقية.

وفي الإجمال، تضرّر “سبعة ملايين عراقي” من 40 مليوناً، من “الجفاف والنزوح الاضطراري”، وفق ما ذكر رئيس الجمهورية برهم صالح في تقرير أصدره عن التغير المناخي.

وتقول الباحثة شذى خليل، ان “الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، التي تضم أكثر من 1300 عالم من الولايات المتحدة ودول أخرى، تتوقع ارتفاعا في درجات الحرارة يتراوح بين 2.5 و 10 درجات فهرنهايت خلال القرن المقبل”.

الحرارة في ارتفاع مستمر

وتضيف أنه “بالنسبة الى العراق يقع جغرافيا في منطقة شرق المتوسط، ملزمة جنوب الأناضول في الشمال، وإيران في الشرق والشمال الشرقي، وسوريا والأردن في الغرب؛ يفتح على المملكة العربية السعودية والكويت والخليج في الجنوب، يضيف هذا الموقع الجغرافي إلى تضاريس السطح المتنوعة للعراق، العديد من عناصر الطقس المتغيرة التي تظهر بدرجات متفاوتة”.

وتشير خليل في مقال نشره موقع الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، الى ان “الضغوط المناخية في العراق تهدد الآن بمآسٍ جديدة، بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض هطول الأمطار، وتزداد الضغوط المناخية في العراق سوءا، مما يزيد من احتمالية مستقبل أكثر سخونة وجفافا لبلد شهد بالفعل دمارا واسع النطاق، حيث تعرض الى الغزو والقصف، وسيطرت الجماعات الإرهابية على ثلث أراضيه، وقتل مئات الآلاف ودُمر جزء كبير من بنيته التحتية”.

وتلفت الى أن “الجفاف المطول ودرجات الحرارة المرتفعة أديا في وقت سابق من هذا العام إلى تدمير المحاصيل”.

وتنبه الى أن “تغيرات المناخ بشكل عام، بمثابة عامل مضاعف للتهديد، مما انعكس على الضعف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وتقويض سبل العيش، وتضخيم خطر الصراع وجعل من الصعب على الناس البقاء في الموقع”.

وتشير دراسات مستقبلية، بحسب خليل، إلى “انخفاض هطول الأمطار على نهر دجلة وأحواض الروافد في العراق مع نتائج مقلقة”. كما أشارت هذه الدراسات إلى أن هطول الأمطار أظهر بالفعل انخفاضا عاما في العقود 1980-1990 ،1990-2000 و 2000-2010 مع اتجاه مكاني متناقص من المنبع إلى المصب ومن شرق إلى غرب الحوض. 

وتوصي عدد من الدراسات والبحوث العلمية بـ”معالجة الآثار السلبية لتغير المناخ واتخاذ إجراءات للتكيف معه لضمان الأمن الغذائي، وتركيز البحث العلمي على استشراف الآثار المستقبلية للتغيرات المناخية وكيفية مواجهتها، والاتجاه إلى الاستثمار الجاد في المياه الجوفية، خاصةً في مناطق الخزين المتجدد التي تتميز بخصوبة أراضيها”.