يعد الإنفاق على الحملات الانتخابية شكلا من اشكال الدعاية السياسية المدفوعة الثمن. وقد حاولت دول كثيرة ضبط هذا الانفاق من أجل توفير فرص متساوية للمرشحين، بعيدا عن تأثيرات المال.

ولا يختلف الحال في العراق برغم صدور نظام الإنفاق على الحملات الانتخابية من قبل المفوضية العليا للانتخابات، لكنه لم يطبق ما فتح المجال امام الأحزاب الفاسدة لاستغلال هذا الموضوع لترويج دعاياتها، وشراء الذمم بطريقة تنافي مبادئ الديمقراطية، بشكل كامل.

غياب الشفافية

وذكرت شبكة شمس لمراقبة الانتخابات في تقرير لها، حول الانفاق الانتخابي: ان “اغلب الكيانات السياسية تتجنب الإجابة على الأسئلة الخاصة بتمويل الحملات الانتخابية”، مشيرا الى ان “زيادة الدوائر الانتخابية الى 83، أدى الى تمييز بين محافظة وأخرى من حيث نفوذ وهيمنة الجهات الحزبية على السلطة ومواردها، بمعدلات غير قابلة للقياس في التحليل والرصد وتقصي الحقائق من قبل مراقبي الشبكة”.

وأشّرت الشبكة، أن “امتلاك ماكينات إعلامية كبيرة من قبل الجهات الحزبية والكتل السياسية والتحالفات وتسخيرها لمرشح ضد آخر أدى الى الابتعاد عن حملات عادلة ومتوازنة بين المرشحين المتنافسين بالأخص المرشحين الشباب والمستقلين”، منتقدا “عدم تنفيذ التشريعات التي تخص تمويل المرشحين والكيانات السياسية والائتلافات لحملاتها الانتخابية وطرق جمع الأموال، وعدم تحديد سقف تمويل الحملات الانتخابية وطريقة الصرف، فضلا عن عدم خضوعه للرقابة المالية”.

بلا رادع 

ويشير التقرير الى “عدم وجود آليات رادعة وفعالة في حصر التمويل الخارجي، الذي وضع في قانون الانتخابات رقم 9 لسنة 2020 والذي ينص على منع التمويل الخارجي”، موضحة انه “رغم القيود القانونية والإجراءات من قبل المفوضية والقضاء، ما زالت عملية استغلال موارد الدولة لصالح الحملات الانتخابية لبعض المرشحين والكتل السياسية تجري علنا مثل رئيس مجلس النواب ورئيس الجمهورية والوزراء والبرلمانيين والمحافظين والدرجات الخاصة”.

ويوصي التقرير، بـ”الإسراع في تفعيل احكام قانون الأحزاب السياسية رقم 36 لسنة 2015 من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، من أجل توفير العدالة والمساواة في تمويل حملات المرشحين، والعمل على وضع نظام للإنفاق الانتخابي شبيه بنظام رقم 1 لسنة 2013، وضمن المعايير الدولية وتجارب الدول المتقدمة، وضمان الرقابة على الأموال المصروفة في الحملات الانتخابية، بما ينسجم مع مبدأ الشفافية وبآليات تضمن التنسيق بين الجهات التشريعية والقضائية والرقابية”، مشددة على “ضرورة تطوير المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، أنظمتها بما يضمن مبدأ تكافؤ الفرص والنزاهة والشفافية وتفعيل نظامها العقابي لردع المخالفين، مهما كانت سلطتهم”.

تفاوت كبير

بدوره، يقول الباحث في الشأن الانتخابي مصطفى عودة، ان “الانفاق الانتخابي من قبل الأحزاب والمرشحين للانتخابات البرلمانية، شهد تفاوتا كبيرا، وهو ما سوف تعكسه نتائج الانتخابات من خلال إعادة انتاج غالبية الكتل السياسية المتنفذة”.

ويضيف عودة في حديث لـ”طريق الشعب”، ان “الكتل السياسية المتنفذة عملت على تطويع موارد الدولة لصالح مرشحيهم”، مشيرا الى ان “عددا كبيرا من المرشحين قاموا بتوزيع الأموال على رؤساء العشائر ووجهاء المناطق من اجل تنظيم ندوات انتخابية لهم في تصرف ينافي المبادئ الأساسية الديمقراطية”.

ويتابع ان “المفوضية ارتكبت خطأ كبيرا بعدم تحديدها حدا اعلى للانفاق الانتخابي على الدعايات الانتخابية ما سهل الطريق امام الأحزاب الفاسدة والشخصيات المتنفذة في استغلال هذه الأموال، عبر شراء ذمم بعض ضعاف النفوس”، متسائلا عن “سبب صمت المفوضية عن التمويل الخارجي لبعض الأحزاب والشخصيات وعدم تطبيق قانون الأحزاب بشكل كامل؟”.

ويؤكد الباحث ان “هناك تفاوتا كبيرا في الانفاق بين مرشح واخر، ما أضر بمبدأ تكافؤ الفرص بشكل كبير”، داعيا الى “رصد ظاهرة الحسابات الوهمية والجيوش الالكترونية التي تديرها ماكنات إعلامية من داخل البلاد وخارجها، تحاول التأثير على الرأي العام وإرادة المواطنين”.

نمط جديد

وضمن الشأن ذاته، يعلق الخبير في مجال تكنلوجيا المعلومات كرار حوني، ان “هناك حسابات وهمية تديرها ماكنات انتخابية تابعة لاحزاب وشخصيات متنفذة تحاول خلط الأوراق على المواطنين”، مبينا ان “يوم الصمت الانتخابي شهد عمل مئات الالاف من الصفحات الوهمية بشكل متزامن من اجل الترويج لشخصيات وتحالفات انتخابية في خرق واضح لتعليمات المفوضية”.

ويضيف لـ”طريق الشعب”، ان “مفوضية الانتخابات لا تستطيع محاسبة أصحاب هذه الحسابات كونها بحاجة الى جهود الحكومة في متابعة من يقف وراء هذه الصفحات، رغم ان طريقة إدارة هذه الجيوش الالكترونية لا تزال بدائية”، مؤكدا أن “عملية إدارة هذه الجيوش تتطلب أموالا طائلة ومعدات تكنولوجية وأماكن للإدارة، ولو كانت هناك رغبة حقيقية من قبل الحكومة والأجهزة الأمنية لقامت بمعرفتهم ببساطة شديدة”.

عدم تكافؤ الفرص

وحول هذا موضوع عدم تكافؤ الفرص، يوضح سجاد جواد (مدير حملة انتخابية لمرشح مستقل في بغداد) ان “منافسيهم في الانتخابات يمتلكون الأموال والنفوذ والسيطرة على موارد الدولة وآلياتها”، مشيرا الى “قيام عدد منهم باستغلال هذه الاليات في دعايته الانتخابية، وقيام مرشح اخر بتوزيع الأموال وشراء الذمم في مشهد بائس”.

ويوضح جواد أن “صرفيات الحملة الانتخابية لمرشحه لم تتجاوز مليون دينار عراقي، نتيجة لضعف الإمكانيات المالية”، مبينا ان “منافسيه يمتلكون أموالا كبيرة لغرض صرفها على حملاتهم الانتخابية”.

عرض مقالات: