مع اقتراب موعد الانتخابات واستمرار حدة المنافسة بوتيرة متصاعدة بين المرشحين، بدأت تظهر في الدوائر الانتخابية فوارق مالية كبيرة في الدعاية الانتخابية للمرشحين، وسط تساؤلات عن مصادر الأموال التي تدفعها الاحزاب الى مرشحيها لدعم دعاياتهم.

وتعزو بعض الآراء هذه الفوارق إلى استخدام المال السياسي والعام في هذه العملية، ما جعل منافسة المستقلين وغير المتورطين بالفساد أمرا بالغ الصعوبة لمنافسة من تمرس على تسخير أموال وممتلكات الدولة، من أجل مصالحه السياسية والانتخابية.

فوارق كبيرة بلا رقابة

ويقول الباحث في الشأن الانتخابي نصير مذكور، أن القدرات المتفاوتة بين المتنافسين على مقاعد الدورة البرلمانية القادمة، باتت تفرض مجموعة من الأسئلة، وفي مقدمتها “كيف تمول الجهات المتنفذة حملاتها الانتخابية؟”.

ويشير مذكور خلال حديثه لـ”طريق الشعب”، إلى أن المشكلة في الانتخابات القادمة تكمن في أن القانون الانتخابي “لم يحدد بوضوح السقوف المالية التي يجب أن لا تتجاوزها حملات المرشحين. وهذا ما يتم العمل به في غالبية البلدان التي تتحلى بسمعة نزيهة لنتائج انتخاباتها”، مبينا أن إغفال الحدود المالية للإنفاق الانتخابية “يفسح المجال للجهات الفاسدة والمتنفذة بأن تستغل قدرات الدولة والمال السياسي من أجل توجيه بوصلة نتائج الانتخابات نحو مصالحها الضيّقة. وهو أمر ليس بجديد، ولكن كنا ننتظر أن تتم معالجته في هذه المرة”.

وحتى وقت قريب مضى أكدت المتحدثة باسم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، جمانة غلاي، في تصريح صحافي، أن “ملف الإنفاق الانتخابي لا يزال محل بحث وسجال بين كثير من المراقبين، مع عدم وجود آلية لتحديد كم الأموال التي يمكن للأحزاب استخدامها. وأن القانون العراقي لم يضع محددات على الصرف على الدعاية الانتخابية”.

وبالعودة إلى مذكور، فإن إطالة فترة الحملة الدعائية بشكل مبالغ به “جاء وفق حسابات مدروسة، فهناك رأي سائد منذ أشهر بأن الانتخابات القادمة ستشهد عزوفا ومقاطعة لصناديق الاقتراع، وأن المتنفذين على دراية بأن الفترة التي تلت الاحتجاجات تختلف عما سبقها، فالسخط المجتمعي من القوى الحاكمة كبير، ولهذا تأتي هذه الفترة الدعائية الطويلة لكسب أكبر قدر ممكن من المؤيدين، ولتحطيم أي منافس جديد بواسطة القدرات الهائلة والمال السياسي الذي يمّكن أصحابه من المطاولة في الإنفاق والاستمرار بالمنافسة حتى آخر لحظة، على العكس من الذين لا يد لهم بملفات الفساد والخراب المستمر منذ 18 عاما”.

العدالة الانتخابية

وفي المقابل، يعاني المرشحون المستقلون من الفوارق المالية الكبيرة، بينهم وبين مرشحي الاحزاب، ولكن الاحزاب القديمة حتى وان استخدمت الاموال فإن امكانياتها في اقناع الناخبين باتت صعبة. 

ويقول المرشح المستقل للانتخابات، سجاد سالم، إن “الفوارق المالية موجودة بين مرشحي الاحزاب الحاكمة من جهة،  والمرشحين المستقلين ومرشحين الاحزاب الناشئة من جهة أخرى”.

ويضيف سالم أن “ما عمق الفوارق المالية بين المرشحين هو ان المفوضية لم تحدد سقفا للإنفاق على الانتخابات، الامر الذي دفع الاحزاب لان تنفق بأريحية تامة على دعايتها الانتخابية بمبالغ كبيرة، واستثمروا اشياء كثيرة لتعزيز دعايتهم”.

ويطالب سالم مفوضية الانتخابات أن “تلزم المرشحين بسقوف مالية محددة لتحقيق العدالة الانتخابية، وهذا من شأنه أي يمنع استخدام المال السياسي”.  ويشير الى أن “اصحاب المال والنفوذ نعتبرهم منافسين، ولا نتوقع ان يكونوا ذوي حظوظ عالية للفوز، حتى الاحزاب التي تدعي ان لها قواعد جماهيرية كبيرة، ففي نهاية المطاف سوف نراها تذهب صوب شراء البطاقات الانتخابية”.  وبحسب سالم فإن “هناك مرشحين مستقلين يعملون بجهد كبير، مستثمرين الفجوة الموجودة بين الاحزاب القديمة والناخبين، لان القوة القديمة حتى وان كانت تملك الاموال إلا انها يصعب عليها ان تفوز بقناعة الناخبين”.

صراع غير أخلاقي 

الباحث في الشأن السياسي، أحمد جميل التميمي، يؤكد أن جزءا كبيرا من الحملة الانتخابية الحالية، يشهد صراعا لا أخلاقيا بين القوى التي تريد السيطرة على الدوائر الانتخابية.

ويبيّن التميمي لـ”طريق الشعب”، أن الدورة البرلمانية القادمة من المتوقع أن تكون “دورة شيوخ العشائر والوجهاء الاجتماعيين، حيث أن اعضاء مجلس النواب القادمين لم يتم انتخابهم وفقاً لبرامجهم الانتخابية  وقدراتهم في مجال التشريع والرقابة، وذلك نتيجة لقانون الدوائر المتعددة الذي فرض التشوّه الكبير، وبالإضافة إلى ذلك دخلت الجهات المتنفذة وحملة السلاح المنفلت في المنافسة، ويمكن تخيل ما ستفرزه نتائج الانتخابات القادمة”.

ونوه بأن “جزءا كبيرا من الحملات الدعائية تشهد تسقيطا سياسيا متبادلا بين الخصوم السياسيين. ويمكن للمرء وفي أي مكان أن يرى ملصقات كبيرة تم تشويهها من خلال قص صورة المرشح أم مسح اسمه وتسلسله وهذه الحالة رصدت بشكل كبير على الرغم من تحذيرات المفوضية من عواقب هذه الأفعال”.

ويتابع التميمي ان “الأغنياء والمعتمدين على المال السياسي لا يتأثرون بهذا الصراع فهم يملكون القدرات للاستمرار بضخ المزيد لمدة أشهر، ولكن من يتأذى به هم أولئك الذين لا علاقة لهم بما يجري، وتقدموا للمنافسة وهم مستقلون أو سياسيون لم يتورطوا في ملفات فساد كما البعض”.

ويشير الى أن “وجود البوسترات العملاقة على البنايات الكبيرة وما يقابلها من صور صغيرة لمرشحين آخرين، يبين حجم التفاوت بين القدرات والإمكانيات”، مشيرا الى ان “الجميع يعلم أن غالبية هذا التفاوت ينبع من جوهر الخراب السياسي في البلاد”.

ويخلص الى ان “حملات الكثيرين شوهت المدن، وكان من المفترض حصر الدعايات في أماكن مخصصة ليتسنى للمواطنين أن يروها سوية لتوفير قدر من العدالة، نظرا لعدم القدرة على محاسبة كبار الفاسدين؛ فمن غير المعقول أن يستغل مرشح ما أماكن مهمة جدا وحيوية لأنه متنفذ أو يملك جهة مسلحة، بينما الآخرون تتلاشى دعاياتهم وتختصر على الأماكن غير المهمة”.