تقف العملية السياسية التي تواجه مصاعب ومعرقلات لا حصر لها، أمام اتهامات كثيرة تتعلق بالتغطية على ملفات فساد وهدر وخراب اقتصادي وأمني كبير. وتوجه معظم الاتهامات صوب لجان التحقيق التي يجري تشكيلها للبحث والاستقصاء بعد كل جريمة أو أزمة تحدث؛ حيث يعتقد ناشطون ومختصون أنها دائما ما تخضع للضغوط السياسية. ولهذا فإن الرأي السائد هو عدم فاعلية هذه اللجان، حتى وإن قدمت نتائج هنا وهناك.

ويطرح الكثير من المواطنين ذات السؤال في كل مرة: “هل اللجان التحقيقية تكشف الحقائق فعلا أم تخفيها؟”.

لجان كثيرة ونتائج هزيلة

يقول الأكاديمي علي مراد إن اللجان التحقيقية تمثل سياقا متعارف عليه في كل الدول التي تشهد جرائم تتطلب التحقيق فيها. ويفترض أن تحدد هذه اللجان بتوقيتات زمنية ومتابعة جادة، مردفا “لكن هذا السياق في العراق تم تشويهه وأصبح الرأي العام يقول بأن أي ملف تشكل لجنة للتحقيق بشأنه يعني بأن “الأمور ستبقى غامضة ولن تكشف الحقائق”.

ويوضح مراد خلال حديثه لـ”طريق الشعب”، إن التعامل مع اللجان التحقيقية في النظام السياسي الحالي هو “تعامل سطحي، فلا يجري تشكيل لجنة إلا بعد ضجة كبيرة تبديها أوساط صحفية أو شعبية بشأن قضية كبيرة، أو بسبب غضب الرأي العام. ولهذا يتم تشكيل لجنة تحقيقية كردة فعل لا أكثر، ويحدد رئيسها وأعضاؤها بسرعة وبدون دراسة، ومن ثم تبدأ عمليات المماطلة والتسويات السياسية والابتزاز حتى يصل المواطن إلى قناعة تامة بأن أي نتيجة لن تعلن وهذا بالفعل يجري منذ عام 2003 وحتى الآن”.

ويتابع الأكاديمي، أن “واحدة من المفارقات العجيبة في نظام المحاصصة، هو أن اللجان هذه، ورغم رصد مبالغ كبيرة لتأدية واجباتها، تُنسى لاحقا ولا يتم إدراجها ضمن أجندات الجهات التي أمرت بتشكيلها، كالحكومة أو البرلمان على سبيل المثال، وإذا ما جرت مناقشتها فلا تكون هناك جدية حقيقية لكشف التفاصيل وعرضها. حيث أن هذا الأمر يوضح حجم الخلل في إدارة البلد وتشعب الفساد فيه”، لافتا إلى إن “المئات من النماذج الحية يمكن الاستشهاد بها كملفات جرى التحقيق بشأنها لفترة ومن ثم غيبت الحقائق تماما وفلت المتورطون من العقاب”.

المحاصصة أس البلاء

وتتفق المصادر الدولية والمحلية المناوئة للمحاصصة الطائفية، على أن سجل الفساد في العراق قد ازداد سوءا في العقود الماضية، إذ صنفت منظمة “الشفافية الدولية” العراق في المرتبة 117 من أصل 133 دولة عام 2003، قبل أن يتقهقر لاحقا إلى المرتبة 169 من بين 180 دولة.

وغالبا ما يشير المعلقون السياسيون العراقيون إلى أن السبب الرئيسي للفساد في البلاد هو “المحاصصة الطائفية” وتوزيع المراكز الرسمية أو الحكومية بين الجماعات السياسية المتنفذة.

ويبيّن الباحث في الشأن السياسي، أحمد جميل التميمي، أن نظام المحاصصة الطائفية “جعل الفساد أمرا عاديا داخل المؤسسات، وتم ترسيخه وحمايته في النظام السياسي وأصبح منيعا وفق المجريات الحالية”، مبينا أن “رؤساء وزراء كثيرين وعدوا بالكشف عن ملفات تحقيقية متعددة، لكنهم لم يفوا بذلك ولم يمسوا أي طرف متنفذ متهم بأحد هذه الملفات”.

ويلفت التميمي خلال حديثه لـ”طريق الشعب”، إلى إن “النمط السياسي والاقتصادي والقانوني الحالي يعزز بشكل منهجي الفساد ويقويه ويحمي الشخصيات الكبيرة التي تقف خلفه”، كما “تسمح المحاصصة الطائفية بوصول بعض الأشخاص إلى المواقع المهمة بالدولة بكل سهولة، لكنها تمنع محاسبة أي أحد منهم مهما كبر جرمه. ولهذا، فأن تسويف عمل اللجان التحقيقية ليس تقصيرا وإنما منهج واضح يجري العمل به وفق ارتياح أطراف متنفذة كثيرة”.

ملفات كبرى منسية

إن مرور سنوات طويلة على غياب نتائج الكثير من التحقيقات قد ساهم بتراكم عدد الملفات المتعلقة بالفساد وسوء الإدارة والنكبات التي مُني بها الشعب ومؤسسات الدولة.

ويعتبر حصر الملفات التي شكلت بشأنها لجان للتحقق، أمرا ليس بالسهل، لأنه تحول إلى ظاهرة خطرة تنامت بفعل الرغبات السياسية التي تجمع أطرافا متنازعة كثيرة للاتفاق على السير بهذا الطريق الآمن بالنسبة لها.

ويمكن الاستشهاد بمجموعة من الملفات التي ما زال التحقيق بشأنها غائبا عن أعين ومسامع المواطنين؛ ففي عام 2007 استورد العراق نحو 6 آلاف جهاز للكشف عن المتفجرات في تلك الفترة العصيبة، بكلفة قدرت بمائتي مليون دولار. وبعد مرور أيام دامية أودت بحياة الآلاف من الأبرياء، وتوضح في وقت متأخر أن الأجهزة مزيفة وكانت صفقة فساد لأطراف متنفذة.

وبحسب ما يقال من مواطنين وناشطين، فإن السلطات آنذاك اكتفت بمحاسبة رئيس جهاز مكافحة المتفجرات بحسب ما يصفونه “صفقة سياسية حمت الرؤوس الكبيرة التي كانت وراء عملية الشراء الوهمية”.

وفي 30 أيلول 2014، كشف رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، عن وجود 50 ألف موظف (فضائي) في وزارة الدفاع فقط، يتسلمون رواتب بأسماء وهمية. وتحدث عن الاقتراب من الكشف عن تفاصيل الملف والمتورطين فيه، لكن النتائج لم تظهر ايضاً، والسبب بحسب المراقبين، ضغوطات سياسية!

إن رحلة الفساد في العراق هائلة ومعقدة، نظرا لطبيعة النظام السياسي وتشابك المصالح بين القوى المتنفذة. وهذا ما يراه مختصون سببا أساسيا لحماية الفساد وفسح المجال أمامه.

وفي وقت سابق، كشفت هيئة النزاهة، أن وزير التجارة الأسبق عبد الفلاح السوداني مطلوب قضائيا في ما لا يقل عن 9 قضايا فساد، وصدرت بحقه 8 أحكام غيابية بالسجن في قضايا إضرار بالمال العام تتعلق بمخالفات في استيراد مواد غذائية. وتسلمت السلطات الأمنية لاحقا السوداني من الانتربول الدولي، ليفرج عنه بعد ذلك، بعفو عام. كما حدث سيناريو مشابه لمسؤولين آخرين بينهم أمين بغداد الاسبق نعيم عبعوب.

ويجري الحديث كثيرا عن منح وزير التربية الأسبق، شركات خاصة عام 2008 مشروع إنشاء 200 مدرسة، بتكلفة تبلغ 280 مليار دينار (232.7 مليون دولار)، إلا أنه لم يتم تنفيذ المشروع حتى الآن، بسبب خلافات على الأموال مع المقاولين العراقيين، الذين وصل عددهم إلى 18 مقاولاً، هرب غالبيتهم الى خارج البلاد. كما يقدر حجم ما تم إنفاقه على قطاع الكهرباء في العراق، منذ عام 2006 حتى عام 2018، بـ 28 مليار دولار، وفق تقرير رسمي لهيئة النزاهة العامة، في حين يعاني العراقيون حتى الصيف الحالي من ساعات انقطاع طويلة. ولم تكشف الحقائق رغم كثرة اللجان المشكلة بشأن الكهرباء والوعود الحكومية والنيابية المتواصلة.

ويعد ملف احتلال الموصل هو الأكبر والأكثر جدلا إلى الآن، ولم تكشف أية نتائج تفصيلية عما جرى في حينها. وقدر رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، كلفة الخسائر الاقتصادية خلال 3 سنوات من سيطرة داعش على مساحات شاسعة في العراق بأكثر من 100 مليار دولار. في حين ما زالت السلطات، تعطّل ملف التحقيق بسقوط الموصل، على الرغم من صدور تقرير نهائي عن لجنة كلّفها البرلمان في التحقيق، دانت مسؤولين كبارا في الدولة.

ضغوط سياسية لحماية المتورطين

يقول الناشط، ياسر أحمد، أن غالبية اللجان التحقيقية التي جرى تشكيلها على مدار سنوات “لم  تحقق شيئا يذكر”.

ويضيف أحمد لـ”طريق الشعب”، إن “هذه اللجان وعلى اختلاف المرجعيات التي أمرت بتشكيلها، لم تكشف الحقائق لأنها غالبا ما تكون رهينة الضغوط السياسية”.

وحول النتائج التي تتوصل إليها هذه اللجان ومنها المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، يعتقد أن “هذا المجلس لم يحقق نتائج مهمة”، مبينا أن “هذه اللجان لم تسجل أي إجراءات قانونية، أو تقدم تعويضات، أو تقوم بمحاسبة المتورطين وتضعهم بين يدي العدالة، لينالوا جزاءهم، كما يعلن أول مرة عنها، حيث كشفت مصادر سياسية كثيرة عن تورط كبار المسؤولين العراقيين في تلك القضايا، مرجعين إغلاق الملفات التحقيقية من قبل اللجان إلى نفوذ هذه الشخصيات، كما أن الشخوص التي تتولى مهام التحقيق بهذه اللجان لا تكون مختصة بالأساليب والآليات القانونية لسير التحقيق والتقصي”.

وفي حديث سابق لعضو اللجنة القانونية النيابية، محمد الغزي، أكد النائب خلاف هذا الرأي.  

حيث يقول في تصريح صحافي إن “اللجان التحقيقية تشكل لموضوع محدد بالذات، وتقدم تقريرها إلى مجلس النواب في وقت محدد، ولا توجد لجان تحقيقية لم تكمل تحقيقها على مستوى تقصي الحقائق”، مضيفا “لا توجد لجان تحقيقية من الدورات السابقة، وجميع اللجان التي شكلتها الحكومة أظهرت نتائجها، وخصوصا على مستوى مكافحة الفساد”.

وأشار الغزي إلى أن “لجنة تقصي الموصل أكملت تقريرها وقدمته للقضاء والنزاهة، واتخذت إجراءات بحق بعضهم”، لافتا إلى أن “حكومة عادل عبد المهدي شكلت بحدود خمس لجان تحقيقية وتقصي حقائق، وأكملت تقريرها، ومنها حادثة العبارة في الموصل، وعلى ضوئها تمّت إقالة محافظ الموصل”.

المطلوب عمله

وبالعودة إلى أحمد، فإن هذه اللجان “أصبحت تشكل خطورة لأنها لا تمارس عملها باستقلال، انما يجري من خلالها طمر الأدلة ومن يقف خلفها”، مستغربا منح لجان التحقيق صلاحيات واسعة “دون خضوعها لمتابعة وإشراف القضاء والادعاء العام أو تشكل برئاسة احدهما حيث هذا لا يجوز دستوريا وقانونيا”.

ودعا إلى “إعادة النظر في طبيعة عمل تلك اللجان وصلاحياتها لتتوافق مع الدستور والقوانين الإجرائية والعقابية، وذلك يكون من خلال إناطة رئاستها بقاضٍ أو احد أعضاء الادعاء العام، وان لا تكون بديلا عن القضاء، وان تحرك الشكوى بحق كل من يتدخل في عمل اللجان استنادا الى المواد ( 233 و 234 و 235 ) الخاصة بالجرائم الماسة بسير العدالة والقضاء، على أن تحدد سقوف زمنية لانجاز اعمالها بالاضافة الى ضرورة ان تقوم الدائرة الاعلامية في مجلس القضاء الاعلى بتزويد وسائل الاعلام بالأحكام والقرارات التي تصدر عن المحاكم وبالذات التي أجري التحقيق فيها من قبل هذه اللجان”.

متى يكشف عن القتلة؟

ويتساءل الناشط المدني زيد شبيب عن اسباب تأخر محاسبة المتورطين بقتل المنتفضين، مؤكداً ان هذا الملف يجب ان لا يمر كما في السابق، كونه متعلقا بمصير العملية السياسية.

ويضيف شبيب في حديث لـ”طريق الشعب”، ان الحكومة المستقيلة قدمت تقريراً عن احدى اللجان التحقيقية، لكن غاب عنه تشخيص المتسببين في قتل المنتفضين، وكان عبارة عن تقرير يعفي السلطة والمسؤولين الحكوميين من الاحداث الاجرامية.

ويتابع الناشط “لقد وعدت الحكومة الحالية ايضاً بكشف القتلة والمجرمين، وشكلت اللجان لهذا الغرض، وما حدث هو عرض فيديو لشخص قال انه قتل الشهيد هشام الهاشمي، ولم نسمع اخباراً اخرى حتى الآن عن مصير هذا القاتل، والجهة التي تقف خلفه”.