بعد اقتراب موعد الانتخابات وانطلاق المرشحين في حملاتهم الدعائية، توضح شيئا فشيئا عدم إمكانية إجراء هذه العملية بالصورة السليمة ووفق الوعود التي ألزمت الحكومة نفسها بتحقيقها؛ فالشكوك بنزاهة الانتخابات المقبلة لم تعد مجرد تساؤلات تطرح لمعرفة ما سيتم تحقيقه لاحقا، وإنما أصبحت يقينا لدى عامة الناس الذين فقدوا الأمل بإجراء أي تغيير ايجابي ما دامت القوى المتنفذة تتمسك بذات النهج الفاشل، في حين لم تنقطع عمليات القتل والسرقة والإفلات من العقاب، وهي كلها عوامل رئيسة تهدد شرعية نتائج الاقتراع.

أسباب منطقية للمقاطعة

الرأي باحتمالية أن تفرز الانتخابات المقبلة ذات النتائج للدورات الانتخابية السابقة، أصبح يوحد الكثير من الساخطين على نظام المحاصصة المقيت.

فسيطرة القوى المتنفذة على مفاصل هذه العملية بواسطة المال السياسي والسلاح المنفلت أصبحت معلنة، ولا توجد مخاوف من الإقرار بها في أحيان كثيرة، خصوصا من قبل بعض الأطراف التي نصّبت نفسها عدوا شرسا للمنتفضين الذين كانوا أصحاب فكرة الانتخابات المبكرة والداعين لخوضها قبل أن تتبدل قناعاتهم بعدم جدواها وفق التأجيل والتسويف لمطالبهم الواضحة.

ويعتقد الباحث في الشأن الانتخابي والمراقب لأداء البرلمان، أيمن الخفاجي، أن الانتخابات المقبلة لن تكون سوى عملية إعادة تدوير للقوى المتنفذة تحت مسميات جديدة أو تخندقات ذات عناوين أخرى من أجل تقاسم السلطة مجددا.

ويضيف الخفاجي في حديث لـ”طريق الشعب”، ان “هذه القوى أثبتت فعلا ذلك الرأي بعد خذلانها ملايين العراقيين الذين دعوا لانتخابات مبكرة، وسعت بكل قوتها إلى البقاء في السلطة بأي ثمن، فيما قررت بعض أطرافها بعد أن احرجتها الانتفاضة الشعبية أن تواجه الشارع بالرصاص وحملات الاعتقال والتفرج على عمليات التصفيات الجسدية للناشطين والصحفيين وغيرهم”.

ومنذ وقت ليس بالقريب، أعلنت 17 جهة سياسية تساند الحركة الاحتجاجية عن مقاطعة الانتخابات او تعليق المشاركة فيها، بسبب عدم تحقق مطالب الانتفاضة. في حين بقيت أطراف أخرى تترقب ما يمكن أن تحققه الحكومة وسط شكوك كثيرة تبديها، وأخذت جهات جديدة تعلن الانسحاب واحدة تلو الأخرى من المنافسة الانتخابية.

وبحسب الخفاجي، فإن التقارب الذي حصل بشكل أولي قبل أسابيع بين أطراف سياسية متنفذة، كانت تعلن عداءها أو خصومتها لبعضها البعض، يدلل بوضوح على أن الماسكين بزمام السلطة، فهموا اللعبة جيدا وهم يريدون إعادة تشكيل اللوحة السياسية بخارطة مختلفة من حيث الشكل، لكنها متشابهة مع طبيعة إدارة الحكم منذ عام 2003 ولغاية الآن. أي أن المراد تحقيقه هو إجراء انتخابات لا تؤدي إلى طريق غير طريق المحاصصة، وتعزيز النفوذ والوجود في مركز القرار. وبهذا فان المشاركة في الاقتراع ستعطي الشرعية لمثل هذه الألاعيب بالتمدد.

منافسة غير شريفة

مؤخرا، وصف مستشار رئيس الوزراء لشؤون الانتخابات، حسين الهنداوي، مقاطعة الانتخابات أو انسحاب بعض المرشحين منها “لا يغير شيئا في موعد إجرائها المحدد”، إلا أنّ ناشطين أكدوا أن هذا الخطاب بعيد جدا عن الواقع، والمشكلة لم تعد بموعد الانتخابات وإنما بالعملية برمتها.

وتساءل الناشط في الاحتجاجات حمزة الكناني بحديث لمراسل “طريق الشعب”، عن أسباب حدوث أعمال إرهابية في كل فترة تكون الانتخابات فيها قريبة، وآخر ما حصل هو تفجير مدينة الصدر الدامي، الذي سبق ببعض الخروق الأمنية والتصعيد في اللهجة الطائفية من قبل مرشحين متنفذين أيضا؟

ووفق رأي الكناني، فإن الرأي العام أصبح يفهم ما يجري بأنه رسائل انتخابية أو سياسية مبكرة، لا يمكن أن تقف عند حد معين ما دام الصراع لا يكتفي بالوسائل السلمية للحصول على مواقع النفوذ في السلطة. كما أن الجماعات التي تمتلك أذرعاً مسلحة تريد توجيه دفة نتائج الاقتراع لصالحها، لذلك لا فائدة ترجى من الاشتراك في هذه العملية، بل هي فعليا قد تؤدي الى نتائج عكسية من قبل الذين يعتقدون بأن التغيير ممكن ان يحصل عبر التصويت في ظل هذا الواقع المأزوم. وبعد سلسلة التصفيات الجسدية التي طالت في الآونة الأخيرة ناشطين في الاحتجاجات، توالت الدعوات إلى مقاطعة الانتخابات النيابية، مع اقتراب موعدها المقرر في العاشر من أكتوبر المقبل، فيما شهدت الأيام القليلة الماضية انسحابات جديدة لقوى سياسية أعلنت رفضها لما يجري.

ويحاجج الكثير من دعاة المقاطعة الانتخابية الرأي الذي يحذرهم من عواقب هذا الفعل الذي يمكن أن يفتح المجال أما القوى التي يعارضونها لتعزيز وجودها أكثر فأكثر بعد خلو الساحة لها.

وعلى رأس هذه المحاججات، يؤكد ناشطون سياسيون في الميدان الاحتجاجي، أن المقاطعة هي أفضل وسيلة لمحاصرة القوى الفاسدة والمتورطة بخراب البلد، لأنها تضعهم في دائرة ضيقة، وتسلب الشرعية منهم، وتنظم كل الرافضين لما يجري في قالب وطني، يكون همه التغيير الحقيقي، لا الترقيع من داخل برلمان تتحكم الزعامات السياسية في قراراته.

المقاطعة فعل سياسي

وبعد مرور عامين على انطلاق انتفاضة تشرين التي سجلت حصيلة ضحايا مرعبة من أجل كسر شوكتها، يتوقع الكثير عودة الغضب الاحتجاجي مجددا لأن الأسباب التي تقف وراء خروج المتظاهرين ما زالت بدون حلول.

ويرى الباحث في الشأن السياسي، احمد التميمي، أن المشاركة في انتخابات رسمت وحددت مواعيدها وفق مصالح المتنفذين، هي أمر يخالف المنطق “نتوقع أن يتفجر الغليان قريبا” هكذا يخمن المتحدث. ويصف التميمي “مقاطعة الانتخابات بأنها فعل سياسي واجتماعي أصبح مهما بعد المرور بكل التجارب السابقة التي لم تثمر شيئا، لأن المشاركة فيها ستعطي شرعية لمجلس النواب والسلطة التنفيذية رغم اكتفاء هذين الطرفين بالإضافة إلى القضاء بالتفرج على المجازر التي حصلت بحق العراقيين الرافضين للفساد والمحاصصة الطائفية. فيما تتم حماية كبار الفاسدين، ويجري تجاهل أكبر الملفات الأمنية والاقتصادية التي تورط فيها زعماء مهمون في العملية السياسية” بحسب قوله.

ويشدد المتحدث في حديث لـ”طريق الشعب”على أن “معادلة الانتخابات لا تبدو متوازنة في ظل سطوة السلاح المنفلت والمال السياسي والتنافس غير العادل، وهي كلها عوامل تأتي بنتائج مخالفة تماما لإرادة الجماهير. لذلك يجب الدعوة إلى تشكيل قوى شعبية معارضة تأخذ على عاتقها تأطير هذا الغضب الجماهيري وتوجيهه نحو اقتلاع جذور هذا نظام المحاصصة الفاسد وإعادة بناء العملية السياسية وفق أسس صحيحة”.

ويجد أن “ضمان وصول الناخب إلى صناديق الاقتراع والإدلاء بصوته ضمن عملية سليمة، ينبغي أن يتحقق منذ شهور مضت، لكن ذلك لم يحدث، وقد فاتت الفرصة على الحكومة التي أكملت المستلزمات الفنية، لكنها بقيت عاجزة عن انجاز المستلزمات الأمنية والسياسية، الأمر الذي يجعل الإيمان بنتائج الانتخابات المقبلة أمرا غير منطقي أبدا”.

عرض مقالات: