أثار إعلان الحكومة عن المجرم الذي نفذ عملية اغتيال الشهيد المغدور هشام الهاشمي، جدلا واسعا خلال اليومين الماضيين بين الأوساط الشعبية والاحتجاجية التي طالبت بذكر الجهة التي تقف خلف القاتل، والكشف عن دوافع الجريمة.

وطالب الكثير من المواطنين بذكر كافة التفاصيل المتعلقة بالجريمة، واصفين عملية التحقيق التي نشر جزء منها عبر القناة الرسمية، بـ”الاغتيال الجديد للهاشمي”، لأنها حولت القضية من سياسية إلى جنائية. فيما تم تجاهل بعض الملامح التي ظهرت بشأن خلفية الجاني السياسية.

تفاصيل الجريمة

وتفاعلت أطراف اجتماعية وسياسية واسعة مع الاعتراف الذي بثته القناة الرسمية للمدعو أحمد الكناني، وهو يتحدث عن تفاصيل الاغتيال الذي نفذه مع آخرين بحق الخبير الأمني والاستراتيجي هشام الهاشمي.

ووفقا لاعترافات القاتل الذي يبلغ 36 عاما، وينتمي إلى “مجموعة خارجة عن القانون” بحسب وصف الحكومة، فإنه يعمل في سلك الشرطة منذ عام 2007 ويحمل رتبة ملازم أول. وأضاف القاتل “تجّمعنا في منطقة البوعيثة وذهبنا بدراجتين وعجلة نوع كورلا لتنفيذ عملية الاغتيال بعدما راقبنا سيارة الهاشمي، وتعقبناه حتى لحظة وصوله إلى منزله في منطقة زيونة وقمنا باغتياله”، مردفا “نفذت الاغتيال بسلاحي الحكومي وهو مسدس نوع (كلوك)”. فيما لم يشر حديث القاتل إلى دوافع جريمته أو الجهات التي تقف خلفه.

ردود على خطاب الحكومة

في الأثناء، أعلن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، القبض على القاتل والإيفاء بوعد الحكومة بشأن الكشف عن هوية الجناة.

ووفقا للمكتب الإعلامي للكاظمي، فإن الأخير أكد “الإيفاء بالوعد بشأن الهاشمي، وقبل ذلك وضعنا فرق الموت وقتلة أحمد عبد الصمد أمام العدالة، وقبضت قواتنا على المئات من المجرمين المتورطين بدم الأبرياء”، مضيفا “من حق الجميع الانتقاد. لا نعمل للإعلانات الرخيصة ولا نزايد، بل نقوم بواجبنا ما استطعنا لخدمة شعبنا وإحقاق الحق”.

وفي مقابل ذلك، وجّهت انتقادات لاذعة إلى الحكومة وطريقة إعلانها عن القاتل وتفاصيل الجريمة، مبينة أن المشهد لم يكتمل، ولم تتم الإشارة إلى الجناة الحقيقيين.

الجريمة ليست جنائية

وقال الناشط في الاحتجاجات، محمد مازن التميمي، إن الإعلان عن الجاني بهذه الطريقة “هو ما نسميه ذر الرماد في العيون. فلا يمكن لجهة حكومية أن تحترم عقولنا، وتكتفي بما نشرته دون الكشف عن الدوافع الحقيقية للجريمة ومن يقف خلفها”.

وأشار التميمي أثناء حديثه لـ”طريق الشعب”، إلى أن “التفاصيل التي نشرت عبر الإعلام الرسمي، طرحت الجريمة وكأنها ذات طابع جنائي، بينما يعلم الجميع بأنها جريمة سياسية ومن الدرجة الأولى. كما أنه من المخجل أن يتم تعريف القاتل على أنه منتسب في وزارة الداخلية، ولا يتم ذكر الجهة التي تقف خلفه وأعطته الأمر بتصفية الهاشمي”.

واعتبر هذه الطريقة “إساءة كبيرة لقوى الأمن وانعكاسا لمدى خوف الحكومة من مواجهة الجهات المتورطة بالاغتيالات”.

من القاتل الحقيقي؟

وتابع قائلا: “لا يمكن أن نفهم ما يجري سوى بأنه خوف من الجهات التي تعطي أوامر القتل. ويبقى السؤال الأكبر بالنسبة لنا (من الذي قتل هشام الهاشمي؟)”.

وشدد على أن “هذه الحالة ليست الأولى من نوعها، فخلال فترات ماضية أعلنت الحكومة عن تورط أحد المنتسبين في قوى الأمن بقتل المتظاهرين بساحة التحرير، وكشفت عن اسمه ورتبته وسلاح الصيد الذي استخدمه، لكنها تجاهلت أيضا الحديث عن الدوافع الحقيقية التي تجعل أحد العناصر الأمنية يرمي نفسه بمثل هذه التهلكة ومن هي الجهة التي أمرته بذلك، فضلا عن تكرار الأمر في أحداث واسط وذي قار”.

ابلغ الزعامات فقط

من جهته، أكد النائب علاء الربيعي، أن الكاظمي ابلغ اغلب الزعامات السياسية بالفصيل الذي ينتمي إليه قاتل الشهيد هشام الهاشمي.

ودعا الربيعي في بيان تناقلته وكالات الأنباء إلى “تنظيف الأجهزة الأمنية من المندسين الذين أساءوا إلى جهود وتضحيات ودماء العديد من المنتسبين والضباط الذين هم حماة الوطن”، مضيفا أن “الكاظمي ابلغ اغلب قادة الكتل السياسية باسم الفصيل الذي ينتمي إليه القاتل ويجب عليه أن يعلن عنه بشكل واضح وصريح للحد من هذه العمليات الإجرامية ولمكاشفة الشعب بشأن مع يقف معه ومن يتاجر بجروحه ومعاناته”.

تصريحات متناقضة

وعلى صعيد ذي صلة، تناول مدونون وناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي الخطاب الحكومي بشأن هوية القاتل بالتحليل والمقارنة مع ما ذكر سابقا.

وأورد الكثير من المتفاعلين مع القضية ثلاثة تصريحات حكومية عدّوها متناقضة بشأن الهاشمي. فبحسب ما قاله أحمد ملا طلال، الناطق السابق باسم رئيس الوزراء، في تاريخ 14/9/2020 فإن “الحكومة توصلت إلى بعض الخيوط لتحديد أسماء المتورطين بالجريمة”. وأما في التصريح الثاني بتأريخ 25/10/2020 فأن “الحكومة توصلت إلى معلومات تخص القتلة ولا يجوز التصريح عنها حفاظا على سرية التحقيقات”.

في حين أكد التصريح الحكومي الثالث بتأريخ 16/11/2020 أن “الحكومة تعرفت الى اثنين من قتلة هشام الهاشمي وهناك جهات هربتهما إلى خارج العراق، والحكومة تعهدت بملاحقتهما وجلبهما إلى العراق”.

وبناءً على ذلك، حاجج الكثير الحكومة بكيفية معرفتها أسماء الجناة من جهة، وورود اسم القاتل الذي أعلنت عنه مؤخرا، ضمن جداول ترقيات الضباط في شهر تموز والذي يفترض أن يقبض عليه وفقا للتصريحات الحكومية السابقة منذ ذلك الحين.

وتوالت المطالبات بالكشف عن الجهات التي تقف خلف عمليات القتل وتمتد أذرعها إلى عناصر في قوى الأمن الداخلي مثلما تبين مؤخرا.

وبعد ساعات قليلة من نشر فيديو الاعتراف بهذه الجريمة، نشر الناشطون على موقع “فيس بوك” الحساب الرسمي للقاتل. فيما طالبوا بأخذها بنظر الاعتبار والكشف عن كافة ملابسات الجريمة بدون تردد أو خوف.

ومن الجدير بالذكر أن قبيلة الجاني أعلنت براءتها من القاتل ومطالبتها بالقصاص منه.

وأعلن الشيخ العام لقبيلة كنانة، عدنان الدنبوس، في بيان له “البراءة التامة من قاتل الشهيد الهاشمي، ومطالبة السلطات بإنزال أقصى العقوبات فيه”.