يؤكد خبراء ومختصون، أن مشكلة التصحر التي تواجه الكثير من بلدان العالم، أصبحت ظاهرة تهدد العراق رغم النهرين العظيمين اللذين يصبان به، مشددين على ضرورة وضع الخطط اللازمة لإدارة ملف المياه، والعمل على تشجير المساحات والالتفات إلى خطورة الأمر، خصوصا وأن القطاع الزراعي في تدهور مستمر منذ تسعينات القرن الماضي، مع ازدياد تدمير قشرة الأرض وتأثرها بالتعرية والعواصف الرملية والحروب.

أسباب كثيرة

ويصف المختصون ظاهرة التصحر، بأنها عملية هدم أو تدمير للطاقة الحيوية للأرض، والتي يمكن أن تؤدي في النهاية إلى ظروف تشبه ظروف الصحراء، وتتقلص الطاقة المتمثلة في الإنتاج النباتي والحيواني ومن ثم التأثير في إعالة الوجود البشري.

ويحدد الباحث في شؤون البيئة، محمد عبد الجبار عيسى، “أسبابا طبيعية” لظاهرة التصحر، منها “أن غالبية مساحة العراق تقع ضمن منطقة المناخ الجاف وشبه الجاف. ويمثل هذا المناخ حوالي 70 في المائة من المساحة الكلية للبلاد”.

ويضيف عيسى لـ”طريق الشعب”، إن “ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، وقلة الأمطار، وتفاوت كمياتها، مع قلة الرطوبة التي تعد مهمة جدا في الدورة البيولوجية للتربة ونمو الأعشاب، فضلا عن الرياح السائدة في العراق هي الرياح الشمالية الغربية الجافة والحارة التي تنشر الغبار المحلي، مع الصيف الحار الجاف والطويل، كلها عوامل لها دور مهم في حدوث التصحر”.

وينبه المتحدث الحكومة الى ضرورة “أن تجعل قضية مكافحة التصحر جزءًا لا يتجزأ من برامجها في التنمية الاجتماعية والاقتصادية”.

تدهور حال الاراضي الزراعية

وفي حديث سابق لمستشار وزارة الزراعة، مهدي ضمد القيسي، أكد أن “تدهورا في الأراضي الزراعية كان السبب في مشكلة التصحر”.

وعزا القيسي في حديث صحفي هذا التدهور إلى سببين؛ “الأول هو التغير المناخي الذي حدث في العالم والعراق. والسبب الثاني يعود إلى الاستخدام الجائر للتربة العراقية من ناحية الزراعة المتكررة ونظام الري الذي سبب تغدق وتملح التربة وساهم ذلك بتمدد التصحر”.

عواصف وحروب

أما محمد أمير العنبكي، الخبير الشؤون المائية، فيرى أن العراق قاسى كثيرا في العقود الأخيرة من مشكلة التصحر، “التي تعود إلى فعل الإنسان وعدم وجود سياسة رشيدة للحكومات المتعاقبة”.

وعن بدايات التصحر في العراق يشير العنبكي الى ان “المشكلة أخذت تتفاقم مع مطلع السبعينيات من القرن الماضي”.

ويضيف لـ”طريق الشعب”، إن “هذه المشكلة تفاقمت كثيرا بعد شح المياه وبروز ظاهرة جديدة وهي العواصف الترابية في فترة التسعينات والحروب التي حصلت، حيث حرمت الأراضي من الري وقام الجهد العسكري بتدمير طبقاتها”، مشيرا إلى أن “البادية الغربية كانت تأتي منها عواصف رملية، وسكان الجزيرة في الموصل كانوا يقومون بحراثة الأرض وهي أرض هشة تنتظر نزول الأمطار وعند عدم تساقطها يبقى غطاء الأرض متهشما، ويغطى بالرمال المتحركة”. ويعزو العنبكي أسباب تفاقم هذه المشكلة إلى “الحروب التي سحبت الجهد الهندسي لوزارتي الزراعة والري في فترة الثمانينيات والتسعينيات، وتجفيف الأهوار. ورغم إن طبيعة التربة العراقية خصبة، لكنها مرتفعة الملوحة، وكذلك عدم احترام المواطن للبيئة، وكذلك شح المياه الذي حصل خلال السنوات الأخيرة”، مؤكدا “عدم وجود اهتمام جدي من الحكومة لمعالجة هذه الظاهرة”.

مخاطر قد تتضاعف

وفي السياق، توقع المختص في الهندسة البحرية، إسلام أمير العكيلي “ارتفاع نسبة التصحر والجفاف في العراق، بسبب قلة الإمطار وتخفيض دول الجوار لكميات المياه الداخلة عبر نهري دجلة الفرات”.

وأشار العكيلي خلال حديثه لـ”طريق الشعب”، إلى أن هذا “سيؤدي لتفاقم التصحر كون الأراضي العراقية ستبقى بدون زراعة، الأمر الذي ينعكس بصورة سلبية على قلة الغطاء النباتي”.

وقامت تركيا منذ سنوات ببناء العديد من المشاريع وآخرها سد أليسو الذي اثر كثيرا على واردات كل من نهري دجلة والفرات، كما قامت إيران بقطع روافد الأنهر الداخلة إلى العراق. وكانت وزارة الموارد المائية قد أعلنت في مرات عديدة سابقا، عن مباحثات يجريها العراق مع تركيا وإيران، فيما يتعلق بضمان حصصه المائية، لكن شيئا لم يحصل وفقا للمعطيات الحالية”.

الحلول ممكنة

وتابع المختص العكيلي، “هناك عوامل عدة تسهم في معالجة ظاهرة التصحر في العراق، منها مواجهة التمدد السكاني والعمراني على الأراضي الزراعية، حماية الأرض وفقا للقانون من التجاوزات التي تسبب التصحر، تشجيع مشاريع الزراعة والتشجير في مختلف المناطق ومنها الجافة، إيقاف قطع الأشجار وإحراق الغابات وتجريف الأراضي الزراعية، تنظيم طرق التعامل مع التربة والعناية بها، صيانة الموارد المائية بشكل دوري، تثبيت التربة وحمايتها من الانجراف من خلال تكثيف الغطاء النباتي بطرق زراعية محترفة ومدروسة”.

وكان عضو لجنة الزراعة النيابية، علي البديري، قال في وقت سابق إن الاحتباس الحراري بات يهدد العراق، مشيرا إلى أن هناك معوقات جمة تقف دون اتخاذ إجراءات احترازية للحد من هذه الظاهرة.

وعن أسباب الظاهرة، أوضح النائب، إنها “تتعلق بالمحاصصة والعشائرية في المجتمع العراقي، إذ تقف المحاصصة بوجه القيام بمشاريع فعالة تنهض بواقع البلد ومنها الزراعة، فيما العشائرية ـ التي تسيطر على الاراضي الزراعية ـ تمنع مد حزام اخضر يحيط بمناطق العراق، ويمنع تصحر الأرض وتعريتها، بحجة ملكية الاراضي”.

وبيّن أن “وزارة الزراعة ومؤسساتها تعاني أزمة مالية، ولم تستطع القيام بمشاريع ومؤتمرات من اجل مواجهة الاحتباس الحراري وغيره من العوامل القاتلة للأرض”.

وذكر البديري أيضا، أن “ارتفاع درجات الحرارة وتصحر الأرض وجفافها وغيرها، قتلت كل روح في الأرض، ولم نستطع القيام بكل إجراء احترازي لمواجهة هذه الظواهر، فضلا عن أن شركات النفط لها تأثير على البيئة وعلى ارتفاع درجات الحرارة، وهذا ما نشهدهُ كل عام”.

وخلص الى أن “اغلب المسؤولين يمتلكون شركات تصدير واستيراد، وبالتالي يسعون جاهدين لإفشال الزراعة وإيقافها نهائيا”.

عرض مقالات: