عوامل نجاح الانتفاضة ومتطلبات استكمال اهدافها / 04كانون1/ديسمبر 2019


لم تحقق الانتفاضة المجيدة خطوتها الأولى على طريق النصر اعتباطا او صدفة، وانما جراء تراكم مجموعة من العوامل التي ساعدت على تحقيق هذا الفعل الثوري. وهذه العوامل موضوعية فاعلة في المجتمع، تتصدرها مشروعية وعدالة المطالب التي انطلقت الانتفاضة بنسختها الجديدة اعتباراً من 1/10/2019 من اجل تحقيقها. وهناك ايضا واقعية ما طرحته، وهي تنطلق من حقيقة ما عاناه الوطن جراء الطائفية السياسية ومنهج المحاصصة وسياسات الافقار المذلة.

فالشعب لم يعد يطيق الاستمرار في العيش بالطريقة نفسها، وقد اوغل الحكام المتنفذون باداراتهم السيئة وجشعهم المفرط، في سرقة أموال الشعب ولقمة عيش أبنائه، ومصادرة حرياتهم. وكل تلك الأوضاع المأساوية أثمرت حراكاً شعبياً منقطع النظير.

واذا تناولنا صمود ونجاح الانتفاضة فيجب القول ان اسبابهما تكمن في المشاركة الجماهيرية الواسعة، وفي الوان الابداع الشعبي المتنوع، المادي والمعنوي، الذي قدمته الجماهير العراقية من خلال زهرة الانتفاضة، من شباب ونساء العراق، والدعم الذي حظيت به من طرف أوساط مؤثرة في المجتمع، وبضمنه موقف المرجعية.

ولم يكن بمستطاع هذه الحركة المجيدة ان تصمد امام الأجهزة القمعية ومناوراتها وألاعيبها، لولا وحدة حراكها وسلامة منطلقاته وتماسك اطرافه، التي رفضت كل مساعي قوى الشغب واثارة الفتن واشاعة الشكوك والخصام بين اطراف الحراك.

وجسدت الانتفاضة الروح الوطنية العالية، والشعور بالمسؤولية إزاء مصائر الوطن والشعب وحاضر ومستقبل العراق، والذي تمثل في اعتماد العلم العراقي راية أساسية جامعة للعراقيين، ورفض الطائفية ومعانيها المقيتة، والاقرار بتنوع انتماءات قوى الحراك دينياً ومذهبياً وقومياً وفكرياً.

لقد كان صوت الانتفاضة عاليا في ما يخص تحقيق مبدأ المواطنة لا غيره. وتميز المنتفضون بكل مكوناتهم بتعامل ديمقراطي نبيل وواع. فيما لا يمكن الا التأكيد بشكل قاطع أنهم تمسكوا بالسلمية رغم بعض التصرفات الانفعالية الطارئة.

وكان من عوامل نجاح الانتفاضة اتساعها افقياً في جميع محافظات الوسط والجنوب، في مراكز المدن واطرافها، اضافة الى تعاطف أبناء المحافظات الغربية والشمالية والاقليم معها، رغم التعقيدات والمحاذير المحيطة.

واتسمت مواقف المنتفضين بالشجاعة، وبروح التضحية والتحدي والصبر والصمود والمطاولة، التي كسرت إرادة المتنفذين ورهانهم على الوقت وعلى عوامل الطبيعة في دحر الانتفاضة واجبارها على التراجع.

ان روح الفداء والاستبسال التي كلفت شباب العراق ما يقرب من 500 شهيد واكثر من 19 الف مصاب بينهم ما يزيد على 3 آلاف معاق، هي الدليل على إرادة العراقيين القوية وعزمهم الأكيد على انتزاع حقوقهم، وبناء مستقبلهم الحر السعيد رغم كل الصعوبات والمعوقات وصنوف القمع.

ويجب الا ننسى ايضا التأثير الإيجابي للدعم الاممي، ولو جاء متأخراً، في اسناد الانتفاضة تقوية عزائم المنتفضين.

ان هذه العوامل جميعا تؤكد اننا بحاجة وسنبقى بحاجة الى دراسة هذه التجربة الثورية البطولية، والاستفادة من خلاصاتها ودروسها لمواصلة المسير وحث الخطى حتى تحقيق كامل الاهداف التي انتفض الشعب من اجلها. كذلك لمواجهة ما افرزته الضرورة من متطلبات المرحلة القادمة، لبناء البديل الديمقراطي الوطني المدني، الذي يضع العراق على طريق التقدم والرقي واللحاق بالأمم الأخرى، والخلاص من المنظومة الفاسدة التي ابتلي بها شعبنا العراقي.

من جانب آخر وبعدما أحرزت الانتفاضة من نجاحات أولى، ستأتي المرحلة الأصعب والأعقد. الامر الذي يتطلب مواصلة الجهود الحثيثة والنزيهة، المنطلقة من الشعور العالي بالمسؤولية، لتعزيز اواصر الوحدة بين مكونات الحراك الوطنية المخلصة، واجتراح المبادرات لإدخال عنصر التنظيم في صفوف المنتفضين، بما يؤمّن وحدة التوجهات والشعارات ومستلزمات المواجهة العصيبة مع القوى الماسكة بالسلطة.

ويتطلب الامر ايضاً صياغة واضحة للمطالب وللبرنامج البديل، واعتماد الأساليب الناضجة والتكتيكات المتطورة في مواجهة التحديات القادمة، الناعمة منها والشرسة. وهذا يستلزم يقظة عالية إزاء مناورات وألاعيب الخصوم والمتربصين وممثلي الاجندات الخارجية وتدخلات الدول الإقليمية والخارجية الأخرى. وسيكون اعتماد اشكال ارقى من التنسيق والتعاون بين قوى الانتفاضة على المستوى المحلي وعلى المستوى الوطني، احد المستلزمات الأساسية لتحقيق الأهداف كاملة.

FLNODEFAULTIMAGEFOUND
/home/teriqrtyb/public_html/images/tarik/t4.jpg